أودّع رمضان مع المسلمين وانا في الغربة. حدثني أحد أصدقائي فيما كان في رأس بيروت منذ أسبوعين انه سمع خطيب المسجد في شارع بلس في بيروت يقول: «نحن لانعف عن الاكل ولا نصوم لمجرد ان نصوم وننقطع عن الاكل بل لنشعر بجوع الى وجه الله لنتغذى منه. الأكل واللذات تلهينا عن ذكر الله فاذا صمنا تفرغنا عن شهواتنا لننظر الى وجه الله». حرفيا كان هذا الاستشهاد أم غير حرفي انه قول ملهم وما من شك ان الكثيرين يحسون بذلك.
كذلك أورد لي هذا الصديق نشيد المسحراتي في حيهم في طرابلس ما حفظ بعضه: «طرقت باب الرجاء والناس قد رقدوا / ورحت أشكو الى مولاي ما أجد / فقلت في كل نائبة… يا من عليه… أعتمد / مددت يدي في الظل خاشعة / اليك يا رب وبحر وجودك الامل». فاتتني كليمات غير واضحة في التسجيل ولكني أحسست ان هذا الدعاء المنشد يحرك نفس الصائمين.
منذ أيام كنت في بيت أهلي في طرابلس وسمعت جوقا يصعد الى البناية مع طبال ولما وصلوا الى البيت سجلت نشيدا عن خلعة فاطمة. وأطللت على المنشدين فأنشدوا عن عرس لليهود حضرته السيدة فاطمة التي سألت النبي اذا كان يمكنها ان تذهب الى العرس. «صلى النبي ركعة فنزلت على يده خلعة من حرير ومخمل. قال قومي قيسي الخلعة. طلعت طولها بالطول. لما رأوها (هكذا) اليهود قالوا أعطينا اياها. قالت تأدبوا يا يهود هذه خلعة القدرة. / قالوا اعطينا منها قطعة. أعطتهم قطعة قطعة وذكرت النبي المصطفى».
راقني هذا الادب الاسلامي الشعبي كما راقتني الموعظة. وعشت تلك الايام تأتيني من مسجد قريب جدا من بيت العائلة أناشيد تتبع أذان صلاة العشاء. وقرأت أحد الأناشيد يأسف فيها واضعها لرحيل رمضان. ثم يقول:
نبكيك يا شهر الصيام بأدمع
تجري فتحكي في الخدود سيولا
أسفًا على الأنس الذي عودتنا
وصنيع فعل لا يزال جميلا
شهر الأمان والصيانة والتقى
والفوز فيه لمن أراد قبولا
لاحظت الشعور نفسه عند المسيحيين الشرقيين الذين يأسفون لتوديعهم الصيام والفصح وكأن الشعور الديني واحد عند اهل الله اذا ما مارسوا.
ورمضان شهر رياضة على التقوى وانتهاج الآداب الدينية في صفاء العبادة ومبرات التهجد وذلك على اساس النية والاخلاص انه سير الى الله نفسه او سير في الله كما يقول اهل التصوّف. انه حج الى رب البيت، الى وجهه من وراء النص او ما بعده ففي الحديث القدسي (اذا لم تخطئني الذاكرة) «الصوم لي». كلام يفاد منه ان الرب نفسه يقيم علاقة من عطفه وكرمه بينه وبين المؤمنين. وعلى رغم ان الصوم يبدو من التكاليف الظاهرية الا انه في عمقه امساك النفس عما يؤذيها من مكاره. وعفّة عن المعصية واعتكاف في المساجد على من قدر عليه لاداء الصلاة والتلاوات والنجاوى.
واول ذكر للصوم صوم مريم حيث قالت: «اني نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم أنسيا». اصوم – تقول – لتكلم الله بالصلاة او الذكر او في دعاء موصول وهذا يغني عن الاختلاط بالبشر. والصمت مجال لنزول الالهام على مريم بهدوئها وسلامها وطهارتها فيتجاوز رمضان مكانته الزمنية حتى يصير المؤمن الى ما قاله الشاعر:
اذا ما المرء صام عن دنيانا
فكل شهوره شهر الصيام
إذًا كان زمن الصيام ليس رياضة تنتهي بل دعوة للاقامة في معانيه في جهد موصول بلا فريضة. انه من الجهاد الاكبر اذ تكف الحواس عن الآثام. هو صوم القلب عن هموم الدنيا وكفّه عما سوى الله.
اما الذي هو حب الهوى/ فشغلي بذكرك عمن سواك. كما تقول السيدة رابعة العدوية.
واما الانهماك في الاطعمة فليس من التراث الاول وفيه تقشف. هذا رد عليه صيامه لأنه لم يبلغ غايته. أما الذين بلغوا من صيامهم مبلغا كبيرا فقد قال أحدهم: «الهي وقف السائلون ببابك، ولاذ الفقراء بجانبك، ووقفت سفينة المساكين على ساحل كرمك، يرجو الجواز الى مساحة رحمتك ونعمتك. الهي ان كنت لا تكرم في هذا الشهر الشريف الا من أخلص لك في صيامه، فمن للمذنب المقر اذا غرق في بحر ذنوبه وآثامه. الهي، ان كنت لا تقبل الا العاملين، فمن للمقصرين؟ إلهي ربح الصائمون ونحن عبيدك المذنبون، فارحمنا برحمتك، وجُدْ علينا بفضلك ومنّتك، واغفر لنا أجمعين برحمتك، يا أرحم الراحمين».
هذه هي حياة الحب الالهي وهذا يذكرني بأن في القرآن الكثير من إيثار الآخرة على الدنيا كما جاء في التنزيل: «ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين» (البقرة، 36). وكذلك: «وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور». ومثل هذا كثير.
نحن أهل البلد والبلدان التي نحن فيها مختلطون في حاجة الى قيم رمضانية تبقى في المسلمين طوال السنة لنتقبل بعضنا على بعض في استعفاف بروح التعالي عن شؤون الارض وشهواتها بحيث نعطي بعضنا بعضا البركات التي نزلت علينا من الله فنمارس معا كرم الروح كما يمارس المسلمون كرم الافطار. نريد موائد الرحمان ممدودة لكل أيام حياتنا كمآكل روحية نغتذي منها لأجل العدل الواحد لنا كلنا ولأجل بساطة العيش ونعف معا عن شهوة السلطة فيكون السلطان الحقيقي للمحبة والتقدير للفقراء حتى نتعاون على محاربة فقرهم اعلاء لكرامتهم في الارض. والارض، اذذاك، باب من أبواب الجنة او من أبواب السماء بلغة أخرى.
ولا يمكنك ان تحب الفقراء حبا جما اذا استلذذت هذه الدنيا. اذذاك هي لك وحدك. واذا أحببت مشاركة الآخرين بالطيبات طوال عمرك فأنت صائم الدهر في عمق المعنى. واذا كنت من خصوص الخصوص كما يسميهم الامام الغزالي فتقوم بصوم القلب وتكف عما سوى الله. أجل، لا بد ان تتعاطى الدنيا وأنت فيها ولكن مبتغاك ان تلتمس وجه الله وان تدني منه الاخوة المحتاجين الذين سيعرفون الله ان انت عرفتهم وأحببت.
