ودّعنا أمس ما يسمّيه العامة عيد الصليب وفي حقيقته انه عيد المصلوب وفي احتسابي انه عيد المصلوبين جميعا إلى أية عقيدة انتموا. إنها مشكلة الألم على ألوانه وتخطي الألم. الإنسان موجوع وغريق أوجاعه او سالك طريق الرجاء. وليس عندنا من وضع غير هذين الوضعين. انا افهم الا يستعمل كل الناس هذا المصطلح المسيحي لكونه مرتبطا عندنا بسر الخلاص الذي لا يراه الناس كما نراه. كما يقول رضوان السيد ليس في الاسلام خلاص شامل يؤسس عليه ولكل امرئ خلاصه واتصوّر انه يعني بهذا السبيل الصبر والتوبة. ومن الواضح ان الخلاص الإلهي لموضوع يوزعه المسيح على من يؤمن به. وبهذا المعنى يتشخصن. والقبول الشخصي للخلاص الكامل هو الى الايمان بموت المسيح وقيامته الصبر والتوبة. كذلك هناك خلاص في الفكر البوذي بالتخلّص من الرغبات والهدوء الذي يتوخّاه البوذي انما هو اياه الذي يتوخّاه المسيحي ولكن هذا يطلبه من المخلّص وليس فقط من النسك كما يفعل البوذي.
مهما يكن من أمر فكلنا مصلوب غير ان بعضا يرجو وبعضا لا يرجو. اي ان ثمة قياميين – اذا استسغتم هذا المصطلح – وهناك غير قيامين. لذلك اخطأ صديق كبير لي لما قال لي: المسيحيّة مأساويّة. قلت له ان اليونان القديم مأساوي لأنه لا يخرج من وضع ينغلق فيه اما نحن فخارجون ابدا بالقيامة. جان بول سارتر محبوس ايضا انسانه لأنه غير مؤمن. وعندما نقول نحن اننا نخرج بالقيامة لا نريد قيامة لاحقة في اليوم الأخير ولكنا نريد خلاصا حاليا لإيماننا بكلمة المسيح: “انا القيامة والحياة”.
تأسيسا على هذا ينال من مات من أجل الايمان حضرة المسيح توا بلا إرجاء. بعد الشوق الذي تعطيه الشهادة يقيم الشهيد في الحق. يُستشهد ( بالياء مضمومة) فيشهد بمجرد قبول الموت على الإيمان وفي الحب وكأن الموت قولته الأخيرة. وفي هذا جاء في مطلع رسالة يوحنا الاولى الجامعة: “ذاك الذي كان منذ البدء/ ذاك الذي سمعناه/ ذاك الذي رأيناه بعينينا/ ذاك الذي تأملناه/ ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة/ لأن الحياة ظهرت فرأينا ونشهد” (1:1-3).
وشهادة الدم في المسيحيّة واجب لأن المسيحيّة تأبى الفارق بين القلب واللسان ولأن الموت حبا أفصح تعبير عن اقتناعها بالقيامة. والشرط الأساسي لأداء الشهادة ان يرفض من ندعوه شهيدا مقاومة الا مقاومة الروح للظلم الذي يحل به. الشهيد المسيحي مظلوم مطلقا.
تبيانا لهذا من الشرع الروماني ان المسيحي كان يُجلب الى محكمة الجزاء في روما القديمة وشرعها قائم منذالامبراطور اوغسطس على عبادة الامبراطور. وكان القاضي يطرح عليه ان يقول: قيصر هو الرب فيجيب: المسيح هو الرب فيحكم عليه بالاعدام اذ كان يعتقد ان إعدامه استمرار بالحياة. من هنا، أن المسيحيّة ليس فيها ثقافة الموت ولا ثقافة العذاب ولكن ثقافة الحياة.
الذين يعيشون، حقيقة، القيامة لا يعذبون أنفسهم جسديا ولا معنويا. ليس في هذا مشاركة في آلام المسيح. لا يضيف أحد شيئا على هذه الآلام. المشاركة تعني ان تميت شهواتك لأنك في هذا تصبح انسان الدهر الآتي حيث “لا وجع ولا حزن ولا تنهّد”. المسيحيون ليسوا جماعة المعذّبين في الأرض ولكن جماعة الذين يتوقون الى النصر الأخير الذي فيه ينتهي كل ألم.
من الموجح طبعا ان يموت الأطفال ظلما لأنهم ورد الوجود. واذا قتلهم العدو فهم قيامة الوطن ونحن نتجدد بهم ولا تفنى طفولة العالم واذا نموا فالدهور تحيا بهم. واذا حافظنا عليهم يذهب العالم بهم الى الطراوة ولا يبقى الحزن الذي هو وحده شيخوخة الانسان. الفرح في الأرض قيامة دائما للنفس قبل ان تنبعث الانسانيّة في الملكوت الآتي. وفيه مكث الحياة الحق والأخيرة.
***
يحزنني كثيرا ان شعوبا مسيحية كثيرة لم تفهم هذا ومشت في الدنيا ذابحة شعوبا لتأكل وتشرب وتستغل ناسية وداعة يسوع ولطفه اللامتناهي. جيلا بعد جيل تسلطت واستبدت حتى ذاقت الشعوب المستضعفة الحرية. متى يأتي ذلك اليوم حتى يقوى الضعيف ويفهم القوي ان يعف عن ابادة الضعيف.
في روح القهر كانت الحملات التي دُعيت صليبيّة والصليب ان تموت حبا لا ان تميت سواك. ولقد فهم العرب ان هذه الحملات لا يجوز ان تدعى صليبيّة وقد دعوها حملات الإفرنج اذ لم يكن لها علاقة بالمسيحيّة الوديعة في جوهرها. ولذلك يؤلمنا نحن المسيحيّين ان نُسمّى اليوم صليبيين. وما من شك ان في هذا غباء. ونحن نؤمن ان عقلاء المسلمين يأبون هذه التسمية التي يطبقها الإرهابيون علينا. الصليبيون ما كانوا اهل الصليب. انهم كانوا صالبين وقاهرين لقوم ودعاء.
وكانت هذه الحروب الشرسة حربا على مسيحيّة الشرق التي ظن الفاتحون على انها منشقة. منشقة ممن؟ لذلك عندما وصل الصليبيون الى مدينة القدس ذبحوا الأرثوذكسيين والارمن وبهذا بينوا انهم اعداء اهل بلادنا جميعا والدليل القاطع على ذلك ان الحملة الصليبية الرابعة شُنت في السنة الـ 1204 على القسطنطنيّة التي لم يكن قد دخلها الاسلام بعد ودنست فيها كنيسة الحكمة المقدسة. ولذلك باتت ذاكرتنا التاريخيّة تعرف ان ثمة قتلة ولو كانوا على ديانتك او مقتولين الى ايّة عقيدة انتموا.
***
من هنا انه يجب ان نكون حذرين من كل إثارة أجنبيّة للمسيحيين على المسلمين او المسلمين بعضهم على بعض فهناك دائما إمكان التفاهم بين اهل الديانات اذا عرفوا الا يصغوا الى الأجنبي الذي يرعى مصالحه فقط.
اعرف ان العقلاء من المسيحيين قد فهموا ان احدا من الخارج لا يرعاهم ولا يرعى بقاءهم وان القضيّة هي فقط قضيّة مال وقضية سلطة.
في هذا السياق ينبغي ان نفهم دقة وضعنا في لبنان وان مشاكلنا بنبغي ان تحل في الحسنى خارج كل المحاور وان نقتنع ان كل محور ضلال أإلى الشرق ذهب او الى الغرب كما ينبغي ان نفهم بطلان لغة الأكثريّة ولغة الأقليّة لأن في ذلك خدمة للغريب الذي لا يحب فريقا على فريق بل دأبه أن يفرق. ليس من مشكلة تستعصي على الحل ان كنا حقا عارفين ان تراب لبنان هو لجميع الذين يعيشون عليه وان ادركنا ان القليل عديده فيه من الجدارة والإبداع ما يجعل التوازن الوطني قائما في ابناء لبنان مجتمعين.
ما هي الصيغة لهذا العيش الواحد؟ هذا ما ينبغي ان نفتش عنه بحيث تبقى لكل شريحة كرامتها وتبقى فيها قدرتها على النمو. ويخطئ من ظن انه يستطيع ان يستغني عن اية شريحة او ان يسودها او ان يقتنع ان الله سلطه على الآخرين بسبب من موهبة فيه او من مشيئة إلهيّة.
مشيئة الله ان نحيا معا والى الابد على هذه الارض متحدين لا نتذابح ولا تتأجج علاقاتنا ولا يلغي أحدنا الآخر معنويا ولا يستغني عن إسهامه. التعدد يمكن ان يوحّد والتهميش قتال اليوم او غدا لأن احدا لا يرضى ان يموت سياسيا لأن هذا رمز لإلغاء هويته ومساهمته.
ان اكون موجودا هو ان احيا مع الآخر وبالآخر. الفردية المنغلقة موت للجميع. اما اذا كان الآخر “ضروريا حتى التنفس” فأكون انا موجودا. الآخر يوجدني بسبب من المعيّة ويتكوّن بي كما أتكوّن انا به. واذا كانت المعيّة هي مطلق الكيان في عمقه فيكون مسعاي ان اوطدها لصالحي ولصالح الآخر. صالح الجميع مجتمعين تلك هي مشيئة الله لأننا بذلك نكون له ونكون بعضنا لبعض آخر.
الوطن يتكوّن بالصبر الذي هو ثمرة المحبة ويتكوّن بالاصلاح الداخلي لكل فئة. ولا غنى عن النصيحة اذا كانت أخوية. والنصيحة فيها نقد احيانا. ويُتقبل (بضم الياء) اذا كان اخويا فتصلح كل جماعة نفسها بنقد من داخلها ونقد من خارجها مهما كان النقد شديدا لأن المحبة تفترض الشدة احيانا لأننا لسنا جماعات متراكمة ولكنا جماعات متداخلة على اساس الله المغذي الكل والمثبت الكل في عنايته.
هذا هو التطهر المتبادل وليس فقط تبادل المنافع في الأرض. وهذا يفترض توبة كل واحد منا الى الله.ومن التائبين في كل شريحة تأتي طهارتها.وهذا يعني في الدولة زوال الفساد وزوال المحاصصة وتعاون الجميع بالفكر والعمل السياسي القائم على الحرية وتداخل الطوائف في التعاون الحق والإخلاص الكامل للوطن اذ ليس من أرضيّة أخرى ولا من ولاء آخر ولا قيام لدولة إلا بحبه.
