كل الأعياد الكبرى عندنا هي بسط لسر الفصح بطريقة او بأخرى بمعنى انها كشف لموت المسيح وقيامته او هي تأوين لهذين الحدثين والتأوين هو إحياء في الآن لحدث مضى. اليوم نعيّد لما يسمّيه العامة الغطاس ولا شك انه صيغة شعبيّة تعبّر عن ان يسوع الناصري غطس في نهر الأردن حيث اقتبل صبغة يوحنا وهو يحيى بن زكريا في الإسلام والصبغة هي الكلمة العربية التي اصطلح عليها المسيحيون العرب على تحويلها الى معموديّة. ولكن لفظة الصبغة استعملها المسيح مرة للكلام على موته وتدل بوضوح على الدم المراق.

          في المدلولات أيضًا ان معمودية يوحنا كانت رمزًا للتوبة. وقد بدأت المعموديات قبل يوحنا عند الفريسيين كما ظهر الاغتسال كل يوم في جماعة قمران، ولكن دعوة يوحنا كانت الى التوبة. واقتبلها الناصري ليوحد نفسه بالعائدين من قومه الى الله مع انه لم يكن في حاجة الى التوبة. عمليّة تواضع من قبله لا بد من فهمها على انها تواضع حتى الموت ولما خرج يسوع من الماء رسم رمزيّا خروجه من الموت. عندنا في هذا العيد الذي نسمّيه في الطقوس “الظهور الالهي” تهجئة لظهور السيّد بموته وقيامته. نحن اذًا عند ظهور هذه السطور فصحيون.

          ما يؤكّد هذه القراءة ان سر المعمودية في الاناجيل يشبه الى حد بعيد حادثة تجلّي السيّد على احد الجبال هو حسب التقليد ثابور في الجليل وعند بعض العلماء جبل الشيخ حيث بزغ النور على وجهه وثيابه وحضر اليه موسى وايليا وكانا يكلمانه على الآلام الذي كان مزمعًا ان يتقبّلها في اورشليم. وصوت الآب: هذا هو ابني الحبيب الذي سمع في صبغة الأردن هو إياه الذي سمع على جبل التجلّي. في الأردن دفن وانبعاث وفي ثابور حديث عن الآلام التي يليها الانبعاث.

          اذا اسقطنا هذا العيد بعد ان امسى رسميّا في الدولة في وضعنا نرى سقوطًا ليس بعده سقوط ورجاء وقيامة قد تأتي بعزة لا بعدها عزة. وهذا سقوط يشبه الموت. ولا احد يعرف متى ولأي سبب تأتي للإنسان ميتته. وكان قبل ذلك غاطسا في حياة صاخبة واذ بها تنقطع توّا لتظهر الحياة من جديد في اليوم الأخير ولكنه قبل ذلك لا بد له ان ينكسر.

          هناك اوطان هشّة بتركيبتها ترتج أكثر من غيرها وتهزل وتبدو نائية عن الوجود الحضاري مختفية في عتمات التاريخ حتى يحل فيها نهوضها من جديد. هاتان الحركتان هما معموديتها وهذه حال كل الشعوب. غير ان هناك شعوبا او دولا تنقرض اذ لم يكن فيها بذرة حياة تنتشلها في يوم الرضا من الموت. لقد انقرضت أمم بالكليّة فالموت يأخذ الأفراد والجماعات. في الحقيقة تنقرض التسميات. الى الناس ناس غير ان ما أنجز لا يبقى في دورة الفعل الحضاري ويصير متّخذًا في العواصم الفنيّة التي تكتب كثيرًا عن الحضارات المنقرضة ولكنها تلتمس دورها في الزمان الحديث.

#           #

#

          دعائي ان يخرج اللبنانيون من الماء الذي غرقوا فيه كما خرج المسيح من النهر ولكن هل سيبقى لبنان الذي نحن على عثراته وشقائه  والنقص الكبير في جديّته. هل يحب اولاده هويّته اي ان عنده امتياز وجود وتزكية وجود. السؤال الحق هو هل يحب اللبنانيون ان يتعايشوا على ما بينهم من اختلاف ام ينحتون وحدة جديدة لهم لا تقوم على تعدد يفرّقهم الآن بوضوح وهم يفتخرون به على رجاء وحدة لم تأتِ بعد. هل نجد مكونات جديدة لوحدة نريدها وهل نريدها حقا بحيث لا يطغى احد على أحد اي لا يميته حضاريًا.

          تحقيق هذا كان صعبًا حتى الآن كثيرًا. ليس عند أحد وصفة لخلاص البلد. ولكن ان نحسن التسويات ونبقى على ان البلد يقوم على ممارسة تسويات، هذه الفلسفة تعني ان البلد ليس له مقوّمات استمرار. لا بد من “غطاس” لكل طوائف لبنان اي ان تقتنع اولا انها في حاجة ان تميت من ذاكرتها ومن احساساتها ما يجعلها تظن ان السيادة لها اوانها اجمل من غيرها وأعلى شأنًا. هذا يعني ان تنزل في الماء وتترك فيه خطاياها. وبعد ذلك تخرج منقّاة فتسمع صوت الله: انت الآن يا طائفة كذا صرت ابنتي الحبيبة التي بها سررت. ولكن تبقى كل مجموعة على تراث خطاياها وان تقول لزميلاتها انا أبهى وأذكى وأطهر وما الى ذلك تكون قد ساهمت في ابقائنا على خطايانا فنكون قد دخلنا في الماء واختنقنا فيه.

          هذا هو المعنى العميق للاطائفيّة. ليست هي اللا انتماء. هي انتماء الى طائفة تائبة وتوق الى تلاحم كل الطوائف تائبة. هذه هي صورة نموذجيّة لوطن سائر نحو وحدته فيما ينبغي ان يثق انه ينتقل من مجد الى مجد. هذا لا يمنع نظريا ان يكون لكل طائفة التماع يميّزها عن سواها. وعلى اعتقادي مدة طويلة ان كل طائفة تحمل صفات تميّزها ثقافيّا عن سواها بتّ أعتقد الآن ان الطوائف تتمايز بخطاياها اولا وان الفرد في كل مجموعة يتميّز عن الفرد الآخر في شريحته وفي غير شريحته اذ تجد ان الصالحين من أمّة واحدة والأشرار من أمّة واحدة.

#              #

#

          بعد مراسي الشعب اللبناني سبعين سنة بوعي كامل بأن الخيرين خارج طائفتي يحبونني واني اكره الطالحين في طائفتي وجدت اني اسعى لأكون مرصوفًا مع الأوادم. انا اذًا لم اولد في طائفة. صرت على ما أرجو في طائفة الأوادم التي لا اسم لها ولا بطاقة خاصّة بها. ولكني وجدتني مختارا مسيحيا  ارثوذكسيا وهذا انتماء الى الله والى مدرسة روحيّة له.

          وانت بسبب قرباك المجتمعي والذوقي من جماعتك تذهب بها الى نهر الأردن “لتعتمد” مع المسيح واذا شئتها بقالب اسلامي اقول: “صبغة الله ومن احسن من الله صبغة” (البقرة، ١٣8). ودون ذلك نحن فيديراليّة طوائف اظن اننا لسوء الطالع نعيشها الآن سيكولوجيا. ولكن هذا يعني اننا نزلنا في الماء ولم نخرج منه اي ان الله لم يستقبلنا ولن يقول لأي قسم من هذه الفيديرالية. انت ابني، انا اليوم ولدتك. اذا بقينا تحت نكون ملاصقين شهواتنا وتعاش الفيديراليّة تحت اي مجموعة طوائف غارقة كل واحدة بخطايانا وغير مؤمنة انها يجب ان “تتعمّد” بالروح او غير قارئة للآية: “وجعلنا من الماء كل شيء حي” (الانبياء، ٣0). انه حي لمن اراد ان يحيا به اي ان يغرق شهواته في النهر.

          في العمق قضيتنا هي هذه اي انها اولا زهد بالتاريخ على ما فيه من جمالات  وتطلّع الى مستقبل نصنعه معا بعد اغتسال. هل انا قائل: ان القضيّة كلّا قضية توبة؟ انا قائل بالأقل ان احدًا لم يرد ان ينشئ لبنان مع الآخر. كل فريق هام يريد لبنان له. والأصغرون أظنهم قائلين اننا نحيا من الفتات الذي يتركه لنا الكبار. انا ما قلت ان الطوائف تتمازج ولكن الخيرين الذين ما حادوا عن زواجهم بلبنان ولا يزنون يتوقعون الى ان يخدموا البلد مع كل المخلصين لزواجهم بالوطن لأن القضيّة الكبرى في الوطن هي الا تزني. واذا لازم الرجل والمرأة بيتهما فإنهما يتدبران معا أمور المنزل ويتعايشان بكل ما أوتيا من عزم.

          واذا خلاص البيت الا يتسلّط فيه أحدنا على الآخر ففرح المشاركة يسود الضيق ان وجد ويبدأ مسعى الخروج منه حتى ينمو الأولاد ويعمر المنزل بهم.

          هل نستطيع ان نبني وطنا شبيهًا ببيت قائم على المحبة صورته ليست فيديراليّة بل زوجية مارونيّة؟ نحن جاء التاريخ بنا الى هذا المركب الواحد وقدرنا وان ننزل معا في الماء ونطرح عنا خبثنا ونخرج معا في انتماء واحد تحت السماء.