كان عليّ أن أحاضر في ألمانيا عن الإسلام غير أن إغلاق المطار حال دون ذلك، وفي يوم فتحه تمكّنت من الوصول الى اليونان لإلقاء محاضرة أخرى في المسيحية وذلك في مدينة فولس الى شمالي أثينا وذلك في إطار أكاديمية لاهوتية أنشأها أسقف تلك المدينة المطران إغناطيوس.
كانت المشكلة أني تكلّمت بالفرنسية وكان اليونانيون الذين اجتمعوا هناك يسمعون الترجمة بلغتهم. ما شدّني الى قبول الدعوة الى أالمانيا هو ان اللاهوتيين هناك يعرفون قليلا عن الإسلام وأرادوا أن يتعلّموا. معرفة الإسلام هي الانعطاف الحاضر في الفكر المسيحي الأوربي. والاضطرار الذي حكمني انه لم يكن ممكنا ان يسمعوا الآيات بالعربية ولكن الترجمة كانت أفضل وسيلة ممكنة والعارفون منهم كانوا يتكلّمون على الترجمة التي أخرجها الى الألمانية الأب تيوفيل عادل خوري كاملة أجزاء عديدة مع التفسير في الحواشي.
اما فولس فمدينة بحرية تقع بين أثينا وسالونيك وكان على رأسها رئيس أساقفة أثينا خريستوذولس المتوفّى أخيرا. أهم عنصر في هذه الرحلة كان الأسقف الحالي تأخذك طهارة وجهه ثم تتعرّف الى حكمته وفهمه وحسن ضيافته وبساطة محبته وشفافيّته.
الأكاديمية التي أسسها منشأة مستقلة تابعة للأبرشية بخلاف المدن الأخرى حيث كليات اللاهوت أجزاء من الجامعات التابعة للدولة. وعلى رأس الأكاديمية شاب تخرّج من اليونان ومن السوربون يتكلّم كل اللغات الحية وزارنا في معهد البلمند ويحب اهل المشرق وآخر سهرة قضيناها معه أسمعنا صوت فيروز يغني القدس فذكّرته أني شيخ وأن ذوقي الأوّل يذهب الى سيد درويش فأسمعنا منه ما تيسّر. والأكاديمية الى طاقمها التعليمي منفتحة على اللاهوتيين الأجانب من كل صوب وأظن اني اول عربي تكلّم فيها.
هذا اللقاء الذي كنّا اليه السبت الماضي تحدّث فيه عالم ايطالي في موضوع خلافيّ بين كنيستي الغرب والشرق، خلاف مرتكز على العبادات وهو دقيق جدا ويدور حول ما نسمّيه «استدعاء الروح القدس». هل استحالة القرابين الى جسد المسيح ودمه مؤسسة على هذا الاستدعاء وهو غير معروف في الكنيسة اللاتينيّة، ام ان فيها صلاة تسبق كلمات العشاء السري: «خذوا كلوا… واشربوا منه كلّكم»، وهل هذه الصلاة تعني معنى الاستحالة؟
المهم في كلام هذا الرجل انه وحّد بين «الموقف الأرثوذكسي والموقف الكاثوليكي» بما هو مقنع بعامة وإن كنّا اختلفنا معه في الجزئيات. ما جذبني فيه ليس فقط معرفته العظيمة باليونانية واللاتينيّة وهذا ليس متوفّرًا عند كل اللاهوتيين. ولكن ما جذبني اولا هو البساطة والتواضع. وتبيّن لي أننا نستطيع ان نذلّل هذه الصعوبة وصعوبات أخرى ما تصدّى لها الأخصائيّون بصورة كافية.
# #
#
قلت له: انتم في المجمع الفاتيكاني الأول الذي حدد السنة الـ ١٨٧٠ رئاسة البابا على الكنيسة جمعاء وعصمته هل أبسلتم (حرمتم) الأرثوذكس الذين يرفضون موقفكم ام انكم اكتفيتم بحرم الكاثوليك القدماء الذين رفضوا هذا التحديد. والأرثوذكس لم يصدروا موقفا قانونيا صريحا في ما انتم تقولون ولو كتبوا الكثير في هذا الموضوع رافضين. ثم أردفت مستشهدًا بلاهوتيّ أرثوذكسي كبير قال: «نحن مع كنيسة الغرب» في حالة قطع الشركة rupture de communion كما كانت مثلا كنيسة بلغاريا وكنيسة القسطنطينيّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكلتاهما على استقامة الرأي.
لم نوغل في المناقشة أكثر من هذا بعد ان اعترف لي انه ليس اخصائيا في هذا المجال.
ثم جاء دوري لأتكلّم على الأفخارستيا (سر الشكر او سر القرابين المقدسة وبالعامية المناولة)، وعلاقتها بالحرية.
في العبادة الأحدية عندنا التي هي سر الشكر، ركّزت على انها صلاة الجماعة وليست مجرد عمل تقويّ فردي بحيث ان الجماعة تتأسس او تنشأ من مناولة الخبز الواحد كما علّم بولس. غير أني ذكّرت السامعين ايضًا ان هذه المشاركة الأحدية تتضمّن ايضًا الإحسان الأخوي. انت اذا ارتكبت بعض المعاصي تخرج من الجماعة، وعند التوبة تعود اليها، ولكن لا تكتمل العبادة الا بتوزيع الطعام للمحتاجين. وهذا ليس شفقة أخوية ولكنه جزء من الانتماء الى الأمة المقدسة.
ثم بيّنت، بناءً على التراث، ان محبّتنا لغير المسيحيين تُنزل عليهم الروح الإلهي فيلتقون في المسيح علموا ام لم يعلموا ويصيرون جميعًا عروسه في اليوم الأخير. ثم اقتبست من يوحنا الذهبي الفم «ان المذبح الحجري ليس بشيء إزاء مذبح الفقير لأن الفقير هو جسد المسيح. هو اذًا أكثر وقارًا من الذي أنت واقف أمامه» (في الكنيسة). واستشهدت بإنجيل متى حيث يجعل السيد تماهيًا بينه وبين المحتاج والسجين والمريض.
كذلك تطرّقت قليلا الى الثورة بمعناها الدموي وشجبتها كما شجبت كل عصبيّة وعدوانية من حيث ان كل هذا يتنافى وسر الشركة والمحبة الواجبة لكل الناس. وهذا قادني الى ان «النور الإلهي منتشر في كل إبداع عند غير المسيحيين وفي كل مجالات الفكر والفن اذا اقترنا بالعدل». وكان لا بد ان أذكر علاقة المسيحية بالثقافات فقلت ان الكنيسة في كل الثقافات ولكنها تبقى حرة منها. والكنيسة حرة من الشعوب التي تتألف منها. والحرية وحدها تجعل الكنيسة أمة مقدسة (لا بالمعنى السياسي) لأنها جزء من المجتمع السياسي.
وبعد تمييزي بين المسيحية والتراث الإغريقي ولو اقترب هذا التراث من باب الكنيسة، انتقلت الى المسيحيين العرب وقلت عنهم انهم في العروبة كثقافة اي في كل جوانبها الأدبية والفنيّة والعيش المجتمعي الواحد، وأضفت: »ان اللغة العربية حملت الإسلام كمصدر إلهام في مرتبة الإبداع البشري ولا يتملك الانسان هذه اللغة ما لم يكن «أليف القرآن». وأحببت أن أضيف أن مهندسًا معماريًا من كنيستي بنى عدة مساجد في المملكة العربية السعودية وهي من أجمل المساجد.
وبعد هذا عالجت قضايا داخلية للكنيسة الأرثوذكسية في العالم وركّزت على ضرورة التعاون بين الإكليرس والعلمانيين. أوضحت ان ثمّة أرثوذكسيين إسميين وآخرين روحانيين ورجوت ان يزول هذا الانقسام.
لم يبقَ من مجال لأحدّثكم هنا عن موضوع غاية في الأهميّة وهو موضوع الملكيّة الفرديّة واستشهدت بمعلّمنا الكبير باسيلوس القائل: «ما هو لك لم تأخذه لتكون مالكا له طوال حياتك. من هو سارق الجماعة؟ أليس ذاك الذي يحفظ لنفسه ما هو ملك الكل. ان الخبز الذي تحفظه عندك أليس ملك الجائعين، والكساء الذي تضعه في الخزانة أليس ملك العراة؟».
هذا أوصلني الى ان أزعم ان النظرة الى الملك في الكنيسة القديمة هي انك مؤتمن عليه. «بدّد، أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد» (مزمور 112: 9).
أخيرا تحدّثت كثيرا عن السياسة وأخطار السلطة والدول التي تستخدم العنف، كما تحدّثت عن سوء العلاقة بين الدول الصغيرة والدول الكبيرة وعن ظلم الكبار والصغار، وأوضحت ان الكنيسة الأولى قبل القرن الخامس كانت ترفض الحرب إطلاقا ثم جاءت التسويات.
غير ان تتويج هذا اللقاء كان في القداس الإلهي الذي أقمته مع مطران المدينة أمام جمع كبير واستُعمل فيه اللسان العربي كثيرا الى جانب اليونانية. وربما لم يكن بسطاء القوم يعرفون ان ثمة مسيحيين عربا. وكانت جوقة المرتلين تستعمل ألحانًا من أجمل ما سمعت، وتناولت الجماعة كلها جسد الرب واستضافتنا بعد هذا الرعية ظهرًا ومساءً وأحاطتنا بحفاوة مذهلة وأغدقت علينا الأوسمة والهدايا عربونًا للأخوّة والرهافة المذهلتين.
وأهم مما علمت فهمت ان المطرانية تطعم ألف فقير كل يوم في مطاعم خاصة بهم، وهذا كلّه آتٍ من هذا الإمام الأرثوذكسي الطاهر الشفاف الى ان عدنا الاثنين الماضي الى لبنان الراجي خلاصه من الرب.
