يظن الإنسان اللبناني أنه يفهم السياسة لأنه يتكلّم عليها ويقرأ الصحف ويشاهد التلفاز. اجل يتحدّث بسياسة اميركا وأوربا والعرب والصين وزعماء لبنان وقراه. يحلل الأخبار بناء على ما قرأ وسمع. ولا يسعك ان تطلب من الإنسان العادي أكثر من ذلك. وفي كثرة الأحوال يردد ما سمعه من البيك لأن اللبناني ليس فردًا ولكنه عضو في قبيلة. انه انسان ملتصق بالجماعة اكثر منه شخصا مستقلا. اذ ذاك زعيمه مصدر فكره فيغضب اذا غضب ويهدأ اذا ذاك هدأ وتتحدّد علاقاته مثلما يُملى عليه.

                      لا تقوى هذه النزعة الحادة في الظاهر عند الحزبيين اذ المفروض ان عندهم ثقافة سياسية ولكن هل عندنا أحزاب حقا؟ لست مؤهّلا للجواب المسؤول عن السؤال ولكن انطباعي ان بعض الأحزاب لا تأتي قراراتها او توجيهاتها من مجلس شورى او لجنة مركزية عن طريق التصويت بعد مناقشة مستفيضة بمقدار ما تأتي من سلطان الرئيس الموهوب «الكاريزمي». ففي الحقيقة ان مجلس الشورى يبتلع الأعضاء وان رئيس الحزب او شخصا آخر قويا يبتلع مجلس الشورى وان الحزب في كثير من الأحوال مُشخصَن. وهذا ورد عند احزاب كثيرة قوية في اوربا فكان الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي لينين حتى وفاته او مرضه الأخير ثم كان ستالين. والحزب النازي كان هتلر حصرا. ونكون، اذ ذاك، في ما يظهر حزبا وهو في الحقيقة قبيلة.

                      تحصل مناقشات بالتأكيد ولكن شعوري ان الأول يخشاه الآخرون ويؤثرون الانسجام بالأكثرية او يتركون الحزب. المناقشة هي للوصول الى الحقيقة لأن السياسة تحتمل وجوها كثيرة وليست الحقيقة في ما يقوله هذا او ذاك. ليس في معظم الأحزاب لين ولست داعيا الى الاسترخاء كما لست أدعو الى الاستبداد الذي كثيرا ما نجده في اللعبة السياسية.

                      البلدان الصغيرة دائما أشد فظاظة واختلافا في المجال السياسي. وحيثما تجد حزبين فقط كما في انكلترة والولايات المتحدة قلما تعثر على إنسان يكلمك بالسياسة. ربما هم يثقون بمندوبيهم الى البرلمان. هذا قليل في لبنان. فالصلة بين النائب عندنا «عائلية»، «صداقية»، انتظار وظيفة او اجراء معاملة ولكن ليست محاسبة او تواصلا او نقاشا بين النائب وكتلة من الذين انتدبوه. من هذا المنظار نجد اللبناني ولو فهم أشياء في السياستين الخارجية والداخلية لا يؤثر في قرارات نائبه.

                      على اللبناني ان يسلك في السياسة سلوكًا حضاريًا على غرار الدول الأولى في العالم. بكلام بسيط لا تسييس الا في الوعي الشخصي ولو كان لا بد من التكتل فيه.

#                  #

#

                      الأمر الآخر عندنا في التسيس يطرح مسألة تبني رجال الدين الذين ينطلقون بشرا من بشريتهم وانت تنتظر منهم روحية تأتي من معتقدهم. هنا لا بد لي ان أفرّق بين القادة الروحيين في الإسلام والمسيحية. فالإسلام له مع الفكر السياسي تماس من بعد نيلنا الاستقلال. ذلك ان الإسلام دين ودنيا اذا كنت فاهما له مع ان بعض العلماء يقولون منذ العشرينات في مصر ان الإسلام لا يتضمّن وجوده في دولة او مع دولة ولا سيما انه في عصره الذهبي كما في العهد العباسي كان العلماء شيئا والخليفة شيئا آخر. هذا ما أكّده دائما رضوان السيّد في أدبيّاته وما هو أساسي في الإسلام ان ليس فيه اكليروس ولا رجال دين ولكن فيه علماء. ولذلك لا يصح نظريا ان ننسب حديث العلماء الى بنية إسلامية ملزمة للمؤمنين. وليس للعلماء المسلمين قدسية تمنع المؤمنين من الاختلاف معهم.

                      اما في المسيحية فرجل الدين له قدسيته بسبب من وضعه الكنسي. مع ذلك هو لا يملي على رعيته خطابا سياسيا مرتبطا بمقامه. ولكنه رجل محب للبلد، يتألّم من أجله ويعتقد ان له الحق ان يوجّه المؤمنين بخاصة والمواطنين بعامة. أنا أرفض قول الإيديولوجيات التي تقول يجب ابعاد رجال الدين عن الخطاب السياسي. اولا هذا احتقار لرجل له كل صفات المواطنة. يلام ديموقراطيا اذا وقع في القدح والذم. ومن قال لك ان خلاص الوطن لا يأتي عن طريق هذا الإنسان. ان سويسرا وضع تنظيمها وروح ديموقراطيتها راهب أنقذها من الحروب الداخلية. ما أرفضه من داخل الكنيسة أن تتحوّل هذه الى حزب او تتحيّز في زمن الأزمات. المشكلة ليست في ان يتكلّم او لا يتكلّم. المبتغى ان يتكلّم صحيحا.

                      السؤال ليس في حضوره في العرين السياسي او غيابه عنه. السؤال هو في طهارته وصدقه ومن داخل الإيمان نقول ان الكاهن او من علاه مقامًا ليس له ان يقود نضالًا سياسيا لئلا ينسب الى الكنيسة ما يقوله وهو ملهِم فيها لأن الكاهن او الأسقف يتماهى في لبنان شاء أو أبى وطائفته وهذا يقتضي من قبله حذرا في التعبير وهدوءًا في المضمون واللهجة معا وهذا يتطلّب الاعتدال الذي هو طريق من طرق السلام. وبسبب من الدقة في التعامل بين الطوائف يحسن ان تتبلور المواقف في الشورى فلا يحسب على الجماعة ما يقوله فرد. وليس من الضروري ان يجمع الأحسنون في اية طائفة على موقف منها. غير ان التشاور أقوى في الإنقاذ والأبعد عن الخطأ الفردي لكون القداسة ليست متوفرة على درجة عالية ولا الحكمة متوفّرة كثيرا وليس من معصوم.

                      وفيما أعمق من كل هذا أن الكنيسة مكان للتطهّر وأسلوبها الأساسي التعليم والوعظ وتقديس النفوس وليس إصلاح الخطاب السياسي. هي شيء مختلف ليس فقط عن الدولة ولكن عن الوطن ايضًا. فالدولة حاكمة فقسرية والكنيسة لا تحكم ولكنها تراقب الوطن. وفي لبنان تراقبه مع المسلمين. ولو كنت أعتقد ان الإنجيل مصدر لكل تصرف في دنيانا الا انه بالدرجة الاولى دعوة. اجل، يحمل الإنجيل هواجس الوطن ولكن ليس في الكنيسة سلاح ولا يخرج منها أحزاب تعمل باسم المسيح. الوطن وحده يدعو الى حمل السلاح دفاعا عن الكل بواسطة الجيش والقوى الأمنية الأخرى.

                      الى هذا هناك واقعية تكشف لنا ان الخطاب المسيحي قلما يؤثر في مجرى الأمور وسلامة المسيحيين من اجل استمرارهم في هذا البلد تقضي عليهم بألا يقعوا مجددا بغلطة التأسيس لميليشيات  فإن فعلوا ديسوا. واذا تمزّقوا في ما بينهم ينتهون جسديا او يضطرون الى هجرة قاسية. السلام هو الضرورة الوحيدة لأداء الشهادة الإنجيلية التي أكسبتهم وجودهم في كل بلد أقاموا فيه. لست أعتقد أن هناك خيارا مسيحيا في اي ظرف وزمان. كان يقال في الحرب الأهلية ليتوحد المسيحيون ثم يحاورون المسلمين. كنت دائما أقاوم هذه الفكرة لأنهم قد يُجمعون على خطر. هل بعد ذلك يعرضون الخطأ على الآخرين؟

                      وكان دائما يزين لي ان التشديد على «سياسة مسيحية» هو الأخذ بالطائفية المسيحية. المسيح لم يدخل في سياسة أبناء جنسه المقاوِمة للرومان. لم يرفض سلطة وما تبنى سلطة. قال للوالي «مملكتي ليست من هذا العالم».

                      لا يفهمنّ أحد من هذا الكلام أني أتمنّى الا يخطب اكليريكي في شؤون الوطن باسم المسيح. انا قلت قبل سطور: رجل الدين مواطن. فاذا أراد أن يتّخذ موقفًا سياسيا فله ان يتوقع ان لأهل السياسة الحق في أن يجادلوه او يساجلوه لأنه يكون قد جعل نفسه رجل سياسة. الى هذا كيف لا يمتزج في عقله الموضوع السياسي والموضوع الروحي؟ من يؤكّد لنا انه لا ينطق عن هوى؟ من يقول لنا انه مرجعية في مجال لم يدرسه وهو درس اللاهوت، والسياسة علم آخر وله تقنياته.

                      هو قد يؤمن بأنه يدافع عن الوطن ولا سيما في هبوطه ولكن ما الحدود بين الكلام السياسي والكلام الوطني؟ افهم اننا لسنا جميعا أخصائيين في هذه الأمور ولا سيّما ان المواطنية أرض يعيش عليها كل الناس وان الاكليريكي يمكن ان يتمتع بحصافة لا يملكها السياسيون الذين الأخلاق ليست اختصاصهم وان الأخلاق كثيرا ما ألهمت انسانا ذكيا من عامة الناس.

                      الى هذا ايضا وايضا ما يسميه المسيحيون الرعاية يؤخذ من رعاتهم كل وقتهم. وهم عن طريقها ينفذون الى الخطاب السياسي الوطني اذا اضطروا ان يخوضوه. ولكن ان ينتقد هذا المنحى او ذاك، هذه الوزارة او تلك حتى بلا انفعال فهذا يعني ان الذين يدخلون هذا الحقل محّصوا كل الملفات. وهذا لا يتوفّر لعدم الاختصاص او هذا سياسة مبتورة. بربكم ارعوا النفوس الموكلة اليكم رعاية دؤوبة والباقي شورى بينكم وبين المواطنين الفهماء. اوكلتم خلاص النفوس بالوسائل المعروفة في الكنيسة. قد تنزل عليكم رؤى او التماعات ذكاء. انا لست انكر ذلك. ولكن هذا هامشي في عملكم. واذا كان هذا كذلك يسودكم العدل ولا يسودكم التحير او التنقّل بين موقف وموقف. القضية قضية معرفة ما في ذلك ريب ولكنها ايضا قضية روحية. طوعوا كل شيء لكلمة الله التي هي دائما هادئة. ثم طوعوا كل شيء للصبر الذي يمكن ان يقترن بالشجاعة والحماسة. واذا هدأت النفس لكم ان تختاروا عباراتكم بالتأني والرأفة بجميع الناس، اذ ذاك، ينزل عليكم الهدى الإلهي.