طلب أربعة اولاد من أبيهم أن يشتري لهم «لوبيا» ليأكلوها ظهرًا فحسب ان ثمنها ٢٨٠٠٠ ليرة فاعتذر واشترى لهم لحمًا. ثم أسمع كل يوم من معاونيّ في المطرانيّة كم تصاعد ثمن هذه المادة الزراعية او تلك بحيث أتصوّر ان الكثر من عائلاتنا تحت عتبة الفقر. كذلك سمعت على الشاشة خبرا يقول ان اية عائلة لا تستطيع ان تعيش بأقل من مليون ليرة حين أعلم ان بعضًا من أهلنا لا يصل معاشه الى نصف مليون ليرة.

حسابيا اذًا العدد الكبير او الأكبر من اللبنانيين في حالة الفقر المدقع وان مفردات مثل الديموقراطية والنور والحرية باتت أكاذيب بمعنى انها مفاهيم مجرّدة وأحلام تأملناها في المدارس او استكبرنا بها على العرب ونحن لسنا سوى بدو بدّلوا الخيمة بالفيلا والجمل بالكاديلاك. وهذه هي العلامة الفارقة لعروبتنا.

اذا سألت عن المسؤول الجواب هو الحكومة. هذا هو المتصالَح عليه في الديموقراطية الماسكة بزمام الأمر. لا مانع عندي ان تقول العرب مجتمعين لأنهم أشقاء وأنهم يرجى اليهم ان يبعثوا بشاحنات مواد طبيعية. هذا يعني تعريب الأزمة ربما. ولكن التعريب افضل من الجوع. واذا تبرّعت الدول الأجنبيّة بمقدار من الأطعمة تدول الأزمة. ولكن أولادي في حاجة الى طعام بتدويل او غير تدويل.

يذهلني اني لا أقرأ في السجال الحاصل في البلد موضوعًا اقتصاديًا والشعب لا يأكل سياسة. هل يقبل اي فريق من ان يحوّل النقاش السياسي الى نقاش اقتصادي؟ على الأقل هل أحد مهتم بالتوازي  بين هذين النقاشين؟لنفترض ان هناك أعجوبة دستورية لإجراء انتخابات نيابية بلا رئيس دولة. هذا يتطلّب  ما لا يقل عن شهرين إعدادًا وتنفيذًا. كيف يأكل في هذه الفترة من لا يأكل الآن؟ ان لم يكن من حلّ فأقلّه ان المتصارعين في هذه الحلبة الجماعية يقبلون ببلد مهدّم. مهدم بلا قتال بل بجوع. وعندئذ لا تبقى الا نخبة الفريقين التي عندها ما تأكل ويأخذ الحكم من لا يحتاج الى من يحكمهم. تكون أطروحته السياسيّة قد غلبت على الفريق الآخر ويكون قد امتلأ فخرًا وهو يبقى ويهاجر مَن يهاجر حتى لا تموت عياله جوعًا.

الا تستطيع الحكومة القائمة ان تجمع خبراء الاقتصاد وهم كثر لاقتراح تدابير إنقاذيّة؟ الا تقدر المقاومة ايضًا ان تجمع خبراءها ليجلسوا جميعا على طاولة معاشية ويكون بعض من حوار عائد لإطعام المساكين ويكون الفريقان قد أثبتا حقا حسن النيّة تجاه الشعب الفقير ويضمحلّ هذا النقاش (الثاني في المرتبة) حول شرعيّة المتولّين الحكم او عدم شرعيّته. وينتخبون رئيس جمهورية يعنى بإطعام من هم تحت عتبة الفقر.

«بدنل ناكل… جوعانين». قولوها حيث شئتم. اكتبوها حيث شئتم. أليس الرغيف أفضل من السياسة؟

#                  #

#

اذا أجمعنا على تجويع الناس او قصّرنا في مكافحته اسمحوا لي أن أشكّ في نيّات من ساهم بهذا. في السياسة لك الّا تشك وأن تعتبر الأمر لعبة ولكن اذا كان أطفالك في خطر حقيقي وتعذّر عليك شراء الحليب أعذرك إن شككت ولا يهمني ان يأتي الحليب من هذه الجغرافية او تلك. كنت أظن أن المحاور إلغاء. انت لا تلغيني ان ساهمت في إطعامي ولكن هناك أوقات تصبح فيها السياسة تفاهة او شيء من تفاهة لأنها لا تتعلّق او تتعلّق قليلا بالعيش وكثيرا ما كانت ايديولوجيا اي تنظيرًا وتجريدًا وفي ظلّها يموت من يموت ويعيش من يعيش. لماذا لا تقولون: تعالوا نعيش.

انا لا أعتقد ان أناسا اذكياء يحبون البلد بصدق عاجزون ان يتمموا فيما بينهم ميثاق القلب الى جانب المواثيق المكتوبة. هناك في الموضوع اذًا خطايا. انا بالتحليل الموثق المتجذّر كثيرا في المعرفة لي ان أشك. ولكن هذه الخطايا اذا وصلت الى حد تجويع الناس من أية فئة أتى أصير شاكا باللعبة السياسية كلها بحيث تصير اللعبة حقًا تلاعبًا بالبلد الى حد الخراب كما اني واثق من ان مَن لا يساعدنا على تجاوز الخراب وبقدره ان يفعل سيدمره الله تدميرا كبيرا. آسف ان الكثيرين لا يرون اننا امام الموت او جاورناه او لامسناه ونناقش أرقاما الشرعية هنا وهناك ونحن اذًا عائدون الى جعل السياسة في أول مقام عندما يصير الخبز في أول مقام. اين كلمة الله امام فقدان الخبز. السياسة لا تعوض عن غياب الخبز.

أفهم أن يكون في السياسة احتجاج ولكني افهم ان بين ما تعالجه الأجور وبأن الأغنياء هم في خدمة الفقراء وان ما هو خارج عن هذا الملف هدفه رفاهية العيش عند الجميع حتى يحب البلد أبناؤه ويعيشوا روحيا من هذا الحب. اذ ذاك، يصبح الطعام وسيلة للنمو الروحي وطريق اتحاد بين الشرائح المجتمعيّة اي انماء سبيل لتعزيز الروابط بين الكل. وفي هذا تعزيز للكرامة التي تحق بعدل لكل مواطن. ومن هنا ان السياسة الخارجية او الداخلية مرتبطة بالعز المرتبط بدوره بالشبع.

اذا أشبعتم الإنسان مجرد كلام سياسي يتقيأ وتمنعون عن أنفسكم نيل الحب من المواطنين. ويمكن امتداد الحب بين قوم كانوا متخاصمين لأنهم اذا افترقوا في الجزئيات فهم ليسوا مفترقين في محبة الله. لست أعلم بدقة مَن يحب لبنان ومَن لا يحبه. ولكني أعرف أن مَن أحبه يحييه ويحيي الآخرين.

البلد ليس مساحة جغرافية. هو الحب. وهذا يحيي اية فسحة في الأرض. ونصرّ على ان هذا البلد نهائي لأننا ننشئه نحن بحبّنا اياه. لذلك لا يحبّه من جعله تابعًا او نابتًا من شيء آخر. طبعا لا نهاية الا لله. لذلك اذا أحببنا البلد كما يحبه الرب لجعله تواقًا اولا لأبنائه الفقراء ثم الى كل أبنائه. فليمتحن كل منّا قلبه ليحس اذا كان يحس انه يحب البلد اي في أدنى مقام الا يزرع فيه بذار تفرقة تذهب الى حد خطر الفتنة. ولكن انتظروا ان يصرخ الجائع ولا تنتظروا أن يكون متسوّلا امام أبوابكم. الكرامة أهم من الخبز اجمعوهما عسى تكونون صادقين.

نحن لا نريد ان يصبح لبنان متكئا على بلد او مجموعة بلدان لأن الاتكاء هو التوكّل والتوكّل تواكل في اللغة البشرية اي كسل واتباع. ليس الأمر في أن تختار بين محور ومحور. الأمر كله ان نختار البلد او الا نختاره لأن الحب على الصعيد الوطني ليس فيه شرك.

ابتدئوا اذا مما تأكلون وتشربون وتلبسون ثم على أساس هذا اكملوا في التعاون على مستوى الإنتاج والحكومة تأتي نتيجة لمساعيكم لا مبدئا لها. ليست الحكومة كل الدنيا كما يظنّ اللبنانيون. وليست هي البلد وإن لم يستقم بلد بدونها. في هذا التلاقي بين الدولة والمجتمع تقف الحكومات والمؤسسات على أقدامها. المهم ان تعرفوا مقاييس الأشياء وتراتب الأشياء وهذه كلها تعابير للحق  والبلد هو الحق او يكون أكذوبة يجب محوها. نحن نؤمن ان لبنان قادر على الحق وقادر تاليًا على محبة أبنائه في بنيان شامل.