لفظتان متعاقدتان في زمن الإفلاس على رجاء تواصلهما في زمن النهوض المرجو. ولكن لنبدأ باللغة. في لغات الغرب لفظة Canon تدلّ على القاعدة اذا جعلوها مشتقة من اليونانيّة وهي ذات مدلول كنسي. ولكن من ألمّ بالعربية يرى ان هذه الكلمة اليونانيّة مشتقة من العربية وهي الرمح او كل عصا مستوية. فالدعوة الى القانون دعوة الى المستوي كالعصا غير المعوجّة التي لا تشتريها انت ان لم تكن سويّة لئلا تعثر بحجر رجلك.
الكلام او السلوك المجتمعي يأتي وفق القانون أي وفق الاستقامة وتتعلمه ممن سمت أخلاقهم وتتحول الكلمة القويمة الى قانون يحيا به من يحفظه لأنك لا تحيا الا بالشريعة. هذا ما تقوله الكتب المقدّسة ذلك ان الله يقوّمك عند الاعوجاج. ولكن التقويم لا يحصل الا اذا سعيت اليه. وهناك ألوف مؤلّفة يحبون الإعوجاج الذي اسمه اللاهوتي الخطيئة.
ولكن اذا ترجمت الشريعة قانونًا وضعيًا وبينهما علاقة في الأصل فالجماعة التي أصدرت القانون تجعله إلزاميًا. العقل يرشدك الى ان الكثرة من القوانين الوضعيّة ملزمة للضمير. ألاّ تسرع في قيادة السيارة يدخل الى عالم الوجدان لأن القتل ضد الوجدان. القانون الجزائي في كثير من الأحوال قائمة احكامه في الضمير (الا تقتل، الا تسرق، الا ترتش).
غير ان ثمّة شعوبا لأسباب قاهرة في تاريخها (الظلم، الفقر، الجشع) تتحول او يتحوّل قسم كبير منها الى ناس غير أخلاقيين. هذه الحال تأتي من طغيان الشهوة على شرائح قليلة او كثيرة. يأتي القانون هنا ليحدّ من وطأة الأشرار والجناة ويغريهم بالاستقامة التي أساسها في وجدان المواطن وتنفيذها في وحدة المجتمع ونموّه وصلابته بحيث أمكن القول ان الاستقامة تجارة رابحة اذا قام معظم المجتمع على كره الانحراف عن القانون.
مجتمع لا يقوم على أساس الأخلاق يخلو من سلامة العلاقات بين الناس ويدمّرهم جميعا. والأصل في القانون المساواة امامه بحيث يكون لك ما للمواطنين جميعا ويكون عليك ما عليهم جميعا.
# #
#
تحديدا ليس في القانون محاباة للوجوه اي ليس فيه تفريق بالتعامل اذ لا يعترف واضع القانون على صفة فيك غير صفة المواطَنة ولا يسأل موظف الدولة الذي يتسلّم معاملتك عن جنسك او دينك او منطقتك او ميولك الانتخابية ولا يسأل عن ثروتك. حسبه ان تدفع الرسوم المفروضة. لا يهم هذا الموظف ان تأتيه شخصيا لتعرب له عن تقديرك اياه ولا ينبغي ان يهمّه إقامة علاقات شخصية. في الادارات ليس ما اعتدنا ان نسمّيه شخصنة العلاقة. في المعاملات فقط الموظف يلبي السائل عن خدمة له الحق فيها.
كلّ انسان حرّ يدفع ضرائبه ولا يتعدّى على أحد له الحق في كلّ ما نصّ القانون عليه واذا أُنصف يزداد تقديره للدولة وتاليا يعمق حبه للوطن. من هذه الزاوية الدولة مربيتنا على معانقة لبنان. ما خلا التعامل الموضوعي انت حرّ بعواطفك. ولكن اعلم انك بالعدل تخدم نفسك وجارك والخزينة فإنّ كل مخالفة من هذا النوع سرقة للخزينة التي انت مثل اهل الحكم مؤتمن عليها. ان مال الدولة مال الناس جميعا. فإن لم تدفع الضريبة كاملة تكون هادرا للمال العام اي سارقًا كل مواطن بمقدار.
اما المؤسسات فهي مجموعة الكيانات الإدارية الخادمة للصالح العام فإنها مُنشأة على القوانين الأساسيّة في البلد. فمجلس النواب مؤسسة، كذلك الحكومة ورئاسة الجمهورية ومديريّة كل وزارة والمحافظة والقائمقاميّة والشرطة والدرك والجيش. المؤسسة تقوم على قواعد يستخرجها التراث القانوني والتشريع والمصطلح الحضاري.
هي تحديدًا قائمة من اجل الجماعة الوطنيّة. لا تتحكّم فيها المشاعر الشخصيّة وان كان الإخلاص وهو عاطفة أساسي في سيرها. فيها شعور من اجل البنيان الجماعي وتقوية التنسيق بين القائمين على المؤسسة. المؤسسة ليست متحجّرة ولكنها ثابتة كالأعضاء في الجسد لكون القيّمين عليها عادلين.
بسبب من ذلك العلاقات سليمة. انها مجرّدة اي من طبيعة الفكر التجريدي. يقوم العدل اذا لم تنظر الى وجه احد فلا يهمك جماله او قباحته او ميول قلبه. طبعا محبّة الوطن مفترضة عند كل من تعاطى الشأن العام. هذه المحبّة مبتغاة عند صاحب السلطان الكبير وصاحب السلطان الصغير. المرفوض هو التحيّز.
# #
#
المشكلة عندنا هو كيف ننتقل من حضارة «عاطفيّة» وطائفيّة ومناطقيّة الى حضارة الوطن الكل الوطني وبتعبير آخر كيف نرتقي الى المجتمع الوطني. في الحقيقة ان الانسان لا يدرَّب على حبّ الوطن. هو تنزل عليه المحبة من الله ويتروّض عليها بالعمل. ربما اذا أوتينا رئيسا وأعضاء عظماء بنعمة من ربّكم نتذوّق الاستقامة ونعمل بها. بكلام آخر نحتاج الى دعوة روحيّة والى ذوي خلق كريم نضعهم في المقامات العلى ويعمّرون لنا وطنًا جديدًا. اما العمل السياسي اليومي عمن ننتخب ومن نوظّف فنتاجه عظيم اذا المواطنون سعوا.
من هنا حسن استعداد أهلنا لانتخاب ناس قيّمين. ولا يستهنْ أحد بالواجب الانتخابي. ربما دعم النهضة اللبنانيّة العامة. هذا يفترض ان يستعفّ المرشح والناخب معا وان يفهم هذا الأخير ما أمكنه فهمه. لذلك يجب ان نقرأ السياسة قراءة جيّدة وان نعمل فيها على قدر طاقتنا. والسياسة عقل او فيها عقل كثير حتى لا تتأكلنا المحسوبيات والعودة الانفعالية الى اي مرشّح.
بعد 7 حزيران سننتخب حكومة تعمل معها او تعمل ضدّها حسب تحليلك للآن السياسي، ولكن هذا يتطلّب متابعة كبيرة عسى نخرج من هذا العالم الثالث المؤذي الى أعلى الوجود السياسي. يسحرني بعض القادة الأفارقة الذين أسمعهم ويبدو انهم أخذوا من الثقافة الأوربيّة اكثر مما أخذنا. كذلك إخوتنا اهل المغرب أرقى منا في معرفة الحضارة فتشبّهوا بهم.
كم تمنيت قبيل كتابتي هذه الأسطر فيما كنت أمر بقرى الجبل ابتغاء وصولي الى البلدة التي أنا قاطنها، كم تمنيّت أن يكون شعب لبنان جميلا كهذه الاشجار او هذه القصور التي أراها. لماذا تبني بيتك ولا تبني نفسك؟ أجل لا بدّ لنا من الرجاء ولكن لنبدأ العمل والتطهّر واقتحام المستحيل. بعد هذا الاقتحام ستبدو العجائب.
