قال نيتشه: «آخر مسيحي هو الذي مات على الصليب». لا أخطئه كليّا ولو لم يُصِب لكونه لم يعرف بهاء الشهداء والقديسين او لم يشأ أن يعرف. غير أن الصحيح عنده هو أنك لا تستطيع أن تكون مسيحًا ولو تشبّهت بالمخلّص الى حدّ بعيد. ما لم يقدر عليه بشر هو ان يكون قلبه ولسانه وفعله واحدًا. هذا حققه الناصري وحده. انت ليس في وسعك أن تكون المطلق كما كان هو. غير أنه هو لا يرضى الا تشتهي المطلق. لعلّ هذه هي ميزة المسيحيّة انها تشدّك الى المسيح السيّد في كل ما يتطلّبه. لذلك لا تضع المسيحيّة فوق رأسك سقفًا وتريدك أن تتوخّاه حتى اذا ارتفعت كثيرًا تحسّ بأنّ النعمة النازلة عليك تشدّك دائمًا الى فوق ولا تقبل أن تقف تحت العرش الإلهي بل اليه.

ما نسمّيه صعود المسيح الى السماء من بعد قيامته هو أنه جعل البشريّة التي لبسها تجالس الألوهية. هذا حصل فيه لأنّ بشرته اكتملت بالألوهة التي كانت فيه ولكن بطاعته الكاملة للآب وطاعته ما كانت اغتصاب ألوهته لبشرته بسبب من عدم الاختلاط بين الطبيعتين. كان في حريّته يعمل في كل حين ما يرضي الآب. ويتمنّى هو عليك ان ترضي بحريّتك انت الآب دائمًا.

هو لا يعاهدك على أن تبقى ترابيًا بل يعاهدك على ان تتخطى على قدر استطاعتك نزواتك ويأبى أن تجد فيك أيّة خطيئة مأوى او مسكنًا في ثناياك. هو يبتهل في السماء الى أبيه ليجعلك كاملًا. وأن تكون كاملا في بشريّتك هو أن تسعى باستمرار الى الكمال المؤهلة له طبيعتك. وان لم تدركه تكون خاطئا اذا لم تشتهه. المسيحيّة هي هذا التوثب الكامل والحزن الدائم انك لم تصل. وما لم يكن عندك هذا الحزن تكون قد اخترت ان تعقد مساومة بينك وبين المعصية كبيرة كانت ام كثيرة. أية لوثة فيك قبلها وعيك هي تعاقد بينك وبين مملكة الشرير. وقد لا يكون قبلها وعيك ولكنك أهملت نفسك حتى لا تعي وهذه هي خطيئة.

أنا أفهم أن يكون الإصلاح البروتستنتي قال إن المرجع الوحيد للإيمان هو الكتاب المقدّس. هو عنى انه لا يقيم وزنًا للتراث عظيمًا لأنه رأى فيه جهدًا بشريًا. ولكن ما أقبله في حدس البروتستنتيّة هو أنها اشتهت أن يكون كلّ انسان واحدًا مع كلمة الله.
# #
#
نحن نفهم ان الكلمة ممدودة في التراث وان بعضا من تفاصيله يمكن إسقاطها لأن زينة الكلام لا مفرّ منها في الأديان. ولكن المسيحيّة تريد نفسها كلمة الله فقط وليس من الصعب الا تميّز بين ما هو إلهيّ في ميراث الكنيسة وما هو بشرة ساقطة.

يحزنني فقط أن أرى مسؤولين في كنيسة الأرض لا تهمّهم كثيرًا كلمة الله الحاكمة لكل قول او فعل او تنظيم عندنا بعد ان تأقلموا مع الزينة وأبدلوا حكمة الله بحكمة هذا العالم.

هذا يذكّرني بأقصوصة في الأدب النسكي تحدّثنا عمّن نسمّيه مبتدئا في الحياة الرهبانيّة اي دخيلا فتيًا. وفي تقليدنا القديم ان هذا يعيش في صومعة شيخ يحدّثه ويربّيه. وتقول هذه القصّة ان هذا الفتى مات سنة بعد دخوله الدير ورآه شيخه في منامه والنار واصلة الى ركبتيه فقال الراهب القديم لهذا الشاب: انا ربيتك سنة كاملة على التقوى. ماذا فعلت بنفسك حتى صرت في النار؟ فأجاب الفتى: اطمئن يا أبتِ أنا واقف على كتفَي مطران. لا تعليق.

أعرف أن الفضيلة ليست حكرًا على أحد وأعرف أن لا علاقة لها بالرتب ولكنّي متعب لأني أعرف تاريخ الكنيسة جيدًا وأن فيه غير الشهداء والأبرار. انا قرأت غاندي جيدا وفهمت أنه كان يحبّ كثيرا العظة على الجبل واعترف أن عدم اعتناقه المسيحيّة عائد الى أنه لم يلتقِ مسيحيًا كان يأخذ بالموعظة جديًّا.

انا يكفيني القديسون وأعرف سيرة الكثيرين منهم ويكفونني لأعرف قدرة المسيح فيهم وبهاءه في أولئك الذين فاقت شهادة الدم عندهم كل عقل ووصف ولكن صدماتي الكثيرة انك أحيانًا إذا ما ذهبت في منطق إنجيليّ ترى من لا يتحسس هذا المنطق وينعتك بالغبي. أليس الإنجيل سياسة الله؟ من القوم من يؤثر عليه سياسة هذا العالم بما فيها من لغو وكذب. انا لست أجهل ان سياسة الدنيا أدنى الى النجاح في حالات كثيرة ولكن في مقاييسها. انا لا آخذ على كثرة من المسيحيين خطاياهم فأنا من هذه الفئة. مأخذي الوحيد عليهم أنهم إمّا ضمنًا او وعيًا يهزأون بمقاييس الإنجيل.

لا يواجهني أحد بقول المعلّم: «لا تدينوا لئلا تُدانوا». اعرف جيّدًا ان الله احتفظ لنفسه بالدينونة. مأخذي الوحيد ان الكثيرين من المعمّدين اذا آمنوا بأنّ الإنجيل هو المرجعيّة لا يريدونها في مجال التطبيق.

# #
#
سيبقى هذا المشهد الى أبد الآبدين. سيخطئ الناس. هذه ليست مشكلتي والكتاب قالها مرات. وكان يسوع يعرف انه سيظل الكثيرون في الكنيسة غرقى أوحالهم.

ولكن مشهد الدنس لا يقنعني بأنه يجب علينا ان نقدّم للناس مسيحيّة معدلة بمتناول المعطوبين في الأرض لتصبح ممكنة. غير أن هذه التركيبة المرتبة للناس في وسطيّتهم الأخلاقيّة لن يتعرّف عليها يسوع الناصري أنها كلمته وما خرج عن كلمته لا يؤتيك خلاصًا.

أعرف أني أبقى مسيحيًا إن جاهدت لأصير مثل المعلّم في حدود ضعفاتي. ولكني أكون قد أكملت سعيي وحفظت الإيمان بأن المسيح مطلق واذا بعته بفذلكات فأنا خائن وأكون بحبل يهوذا او بغير حبل قد شنقت نفسي.

لماذا لا نقول للخاطئ انه فعليا جاحد؟ ميزة الجاحد على المؤمن الخاطئ أن عقل ذاك لا يقبل المسيح وعقل هذا يقبله نظريا فقط ولا يحالفه. الذين لا يرتضون السيّد حاكمًا على نفوسهم يكونون معمّدين بالماء فقط لا بالروح القدس. وهؤلاء كانت دينونتهم أعظم.

تاريخ الكنيسة خيانات؟ نعم. هذا التاريخ فيه عشّاق لله كثيرون؟ نعم ايضًا. اخرجوا اذًا ايضًا من الخيانة حتى لا يبقى نيتشه على حق. اقبل انت ايضًا أن تكون مصلوبًا. هذا خيارك الوحيد إن شئت لنفسك خلاصًا.

العشّاق الملتهبون كانوا دائما قلّة عزيزة. قال لنا هذا أندره جيد منذ نصف قرن هنا في بيروت: المخلَّصون دائما قلّة.

سنكمل الطريق. كلّ منكم قادر على ذلك اذا قبِل الإنجيل حاكمًا فيه. واذا اقتنع قلبه بهذا فيكبر نصيبه بأن تتقلّص خطاياه ويعظم حظّه في أن يرى المسيح مخلِّصًا له لا قبل ألفَي سنة ولكن في اليوميّات التي يعيش.

المسيح وحده؟ نعم ولكن ليست هذه أمنيته. «الله يريد الكلّ أن يخلصوا». يريدهم جميعا ان يصطبغوا بصبغته وان يلبسوه. ما أراد نفسه صوتا صارخًا في البريّة. مات لكي لا تخطر لك خاطرة ضد كلمته وألاّ ينثني في لحمك وعظامك غير روحه.

هناك من يحبّ يسوع حبّ الهوى ويرفعه وهو يتخطّر على الأرض الى مستوى العرش الإلهي ويجلسه معه عن يمين الآب.