في أي إطار روحي نضع الوطن؟ هو ليس ارضًا ينزل عليها مجد الله ولا يدخل في نطاق المقدس وما موعود به الى الذي يسكنه كائنا ما كان منشأه. هو إمكانية تحولها الى قدرة بولاء انت تقرره. له علاقة بالتاريخ تقرأه حسب ايديولوجيا لك. فمنّا من قال مثلا عن لبنان انه سكن الوجود منذ ستة آلاف سنة ومنها من جعلها أقل من ذلك بقليل. وحكاية الزمان تجعلك اقرب الى الاستكبار او ادنى الى التواضع وهي تحدد قربك او بعدك من مواطنين لا يحسون زمانا انت تحسه.الوطن في الأخير وليد تصورات وأحاسيس وانفعالات. أقول هذا من حيث الرؤية التي تختلف بين ذاكرة وذاكرة اي انك، في الواقع، تنشئ الوطن لا من الماضي ولكن من الحاضر وهو ايضًا متصوّر. الوطن يأتي من موقف لا من موقع. انه التزام اي انك تريد الوطن او لا تريده او تريده بمقدار. ومن هنا أقول انه صنيعتك وصنيع من يرى رؤيتك او يحس بخيارك وكل خيار ذاتي.
لسنا اذًا مع مقولة الموروث او الدائم وأقلهه مقولة الأبدي. ان كل ما يقرب الوطن من المطلق تقربه من الرب الأزلي وحده وتقيمه في ما لا يناقَش. دائما كانت تصدمني هذه العبارة: «انا اؤمن بالله وبلبنان». هذا العطف في ذاته كفر. ان مقولة الإيمان لا تغطي بقعة أرض فتعريف الإيمان كما ورد في العهد الجديد هو هذا: «الإيمان هو الوثوق بما نرجوه وتصديق ما لا نراه» (عبرانيين 11: 1). بربكم كفوا عن وضع لبنان في نطاق الإيمان. لبنان من هذه الأرض فقط. ومن خلط الله وبلدنا وقع في الشرك.
# #
#
ما كان ليس في الاعتقاد يقع في مجال المحبة. تأخذ البلد الى قلبك كما هو بلا اسطورة ولا حياكات زمان اذ لا قداسة للزمان. ربما شعر كلّ منا بضرورة انتمائه الى أبيه. انا شخصيًا لست حساسا لهذا الشعور. لست حساسا للجذور.
أبدأ الآن. كلّ هذه السجالات القومية (فينيقي او عربي او سوري) سجالات تتضمّن ان الذين تعاطوها انما اختاروا زمانا لهم وجاؤوا الى انفسهم من الأرحام التي استهوتهم والإنسان السوي من انقطع عن رحم امّه ليثبت حريته في هذه الدنيا. الإنسان توّاق ان يضع في ذاكرته هوية اي ان يعرف عن نفسه بالـ «هو». انا ليس عندي هوية الا كوني حبيب الله. انا أنوجد بمحبوبيتي. عندما تعرف الكنيسة نفسها انها شعب الله لا تقول انها مجموعة شعوب قائمة اجتماعيا وسياسيا وبعد قيامها اختارت الله. ان عبارة «شعب الله» في اللاهوت المسيحي تعني فقط ان الله -لا الأرض- مكونها وهي تصير بنعمته وانعطافه عليها وقبل ذلك لم تكن. هذا هو المعنى نفسه الذي نجده في القرآن اذ قال: «كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المُنكر» (آل عمران، 110). اي اذا امرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر تصبحون خير امة. تتكون الأمة- بمعناها الديني- بشرط هو عمل الخير واجتناب المعصية.
في المفهومين الإنجيلي والقرآني ليس من هوية دنيوية او دهرية لأن الله وحده معطي الهوية. في الشأن الوطني لسنا اذًا في عالم المطلقات لأن الهوية مطلقة. نحن فقط في عالم العمل والتطبيق في المحبة. وضعتنا ظروف الحروب والاتفاقات الدولية وخبرة طويلة او قصيرة على بقعة من الأرض لها طقسها ومدنها وقراها وكتلها البشرية التي تعيش فعليا معا بكثير من الأمور المشتركة من مأكل وشراب ومنازل وهذه الشرائح منتصبة معا في الوجود اذ الوصية تقول: «لا تقتل». ولأن القتل حرام تفتش قلوبنا وعقولنا بما فيها من معرفة على وسائل السلام والنمو الدائم لأن كليهما تستبعدان القتل والإفقار والجهل وهذا كله يتطلب توقا من الحسن الى الأحسن فنصير بطريقة او اخرى امة إلهية.
# #
#
نحن لن نختار التاريخ منذ آدم ولا نصطنع لأنفسنا امجادا ما لم نتق الى مجد الإنسان في ازدهار دائم. نحن يهمّنا الزمن الآتي والوطن جغرافية نرتضيها الآن لنطمئن الى السلام والحرية ولنا ابتغاء ديمومتنا ان ننفذ سياسة لا تحرمنا مبرر وجودنا على الأرض أعني السلام والحرية.
هنا يبدأ الجهد والدرس فنتكاثر ونعلم اولادنا ونعبد طرقنا وننقي مياهنا ونشجر جبالنا ونزرع سهولنا ونقيم بحيرات لنا من اجل تأمين زرعنا وفرح نفوسنا بالجمال. واذا لم يرد لبنان كل ذلك ولم يأتِ بدولة تفهم هذا يكون ضاحكا على نفسه. وما عدا ذلك سوق عكاظ.
وهذا يعني ان نسكن التفاصيل لأننا ان لم نفعل يسكنها الشيطان… وبدء البدايات للسيطرة على التفاصيل نزاهة الروح والفكر والمعاملة والكياسة والشجاعة معا في معاملتنا الشعوب. والطاهرون يفرضون أنفسهم مهما تعثرت أقدامهم في سيرهم الى الحقيقة والحب.
أعرف في كل شيء صعوبة التنفيذ. اعرف ان هذا يتطلّب وقتا غير يسير ولكن ما من خير ظهر في هذه المعمورة الا ان كان فيها خيّرون. لذلك بات لبنان مشروع قداسة وهي تملي شروط التنفيذ في كل مجال وهي تنير العقل اليه. واما ان تبقى هنا وهناك مجموعات لصوص او فاسدين وقلّة من الأطهار فالبلد لن يقوم.
قلما عقلنا ان القداسة تنشيء العمل وتنشىء السياسة وجعلناها حكرا على المتأملين بها. القداسة ام الإبداع في كل خير من الوجود. اجل نريد لبنان هيكلا وللهياكل امدادات. تسمو انت الهي القلب والقلب يطلق الأيدي الى العمل في الحداثة ووسائلها. اذا اهتدينا الى النقاوة فالمؤسسات ثمار والقوانين ثمار. يجب ان نعرف من اين نبدأ والى اين نريد ان نصير. انت تحصن النفس وبها يتحصّن البلد. والنفس اذا كبرت يكبر الوطن بها. هكذا يهبط المجد على هذه البقعة الصغيرة والجميلة التي تسمّى لبنان. واذ ذاك، يرث الأعلمون ونساك الفكر والنزهاء مجد لبنان.
