في عيد انتقال القديس يوحنا الإنجيليّ، تقرأ الكنيسة المقدسة علينا هذا المقطع الذي يتحدّث عن مشهد المصلوب والواقفين عند الصليب بادئا من ذكر ثلاث نساء، مريم أُم يسوع وأُختها مريم زوجة كلاوبا ومريم المجدلية. إذا قارنّا هذا مع مرقس ومتى، نفهم أن مريم المجدلية ومريم أُمّ يعقوب ويوسي وسالومة أُمّ ابني زبدى. وفي إنجيل مرقس يقول الكتاب «أُخَر كثيرات اللواتي صعدن معه الى أورشليم».

أما تسمية مريم أُم يعقوب ويوسي أُخت والدة الإله فتعني نسيبتها، وهذا كثير في الأدب العبريّ وفي الإنجيل. إلا أن إنجيل يوحنا المعتمد اليوم للقراءة فهمتمّ فقط بوالدة الإله والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه. وهذا حسب كل التقليد هو يوحنا الإنجيليّ نفسه. يتوجّه السيد الى أُمه قائلا لها «يا امرأة هوذا ابنُكِ». استعمال يسوع لعبارة «يا امرأة» ورد في عرس قانا الجليل. وهذا عندهم كلام عاديّ وليس فيه أي تقليل من الاحترام. ثم يقول الكتاب ان هذا التلميذ أخذها الى خاصته أي آواها عنده.

في هذا التأمل يجب أن نتجاوز شخص يوحنا الى تسميته لنفسه «التلميذ الذي كان يحبّه» والمذكور بهذه الصفة في غير موضع من الكتاب. فإذا تجاوزنا شخصه ابتداءًا من ظاهر النص، أقول ان يسوع جعل مريم أُمّا لكلّ تلميذ حبيب أي لكل مؤمن. إيضاحا لهذا الكلام أقول بلا تأويل إن لمريم أُمومة تجاه كل واحد منا، وكلمة يسوع هذه على الصليب تكفي لنُكرّم والدة الإله.

لا أحد يستطيع أن يعرف على وجه الدقّة ماذا تعني أمومة مريم لكل مؤمن. على الأقل، تعني أن لها صلة رقّة وحنان وشفاعة واحتضان لكل منّا، وأنه لا يسوغ لنا أن نتجاهلها في صلاتنا، وهذا يؤكد ما قالته لنسيبتها أليصابات أُم القديس يوحنا المعمدان: «ها منذ الآن تُطوّبني سائر الأجيال». تُطوّبني تعني اعترافنا بأنها تتمتّع بالطوبى السماوية أي برؤية الله الكاملة.

ونحن لا نقول هذا إلا عن الشهداء الذين لا يفرّقهم شيء عن المسيح. بقية القديسين نقول عنهم انهم في الملكوت يشفعون طبعا بنا، ولكنهم ليسوا على كمال الرؤية.

القراءة الإنجيلية ركّزت مع ذلك على يوحنا الإنجيليّ، وسمّت موته انتقالاً كما سّمت رقاد والدة الإله انتقالا. في كنيستنا هو أول شخص نُسمّيه لاهوتيا فنقول «يوحنا اللاهوتي» اذ لم يكتب احد من الانجيليين عن أُلوهية المسيح كما كتب هو.

نُسمّي اثنين آخرَين لاهوتيَين فقط وهما غريغوريوس النزيانزيّ وسمعان اللاهوتي الحديث، والواضح أنه يُحلّق كما لم يُحلّق سواه.