سياسة كل شعب لنفسه تقوم على العدالة للناس جميعا بلا تفريق بين طوائفه وألوانه إن وُجدت. والعدالة نتيجتها السلام بين الناس وحسن العيش والتعاون والتكافل وردم الهوة بين الفقير والغني ما أمكن التنظيم الاجتماعي ذلك. لذلك جاء في المزامير:” العدل والسلام تلاقيا”.

هذه السياسة عمل الجميع في مجتمع راقٍ يتشارك كل المواطنين في قيادته ويسدون للدولة النصيحة ويضغطون عليها لتسير في الاستقامة وخدمة المواطن. ذلك أن كلًّا منا راعٍ لإخوته وان الدولة بما فيها من ناس معرّضة للتقصير او الجهل او الانحياز. وهذا ما اصطلح الفلاسفة على تسميته ديمقراطية. هذا هو حكم الشعب للشعب ولكن على هدى الله وكلامه حتى يطمئن المواطن للمواطن ويحيا بأعظم قدر ممكن من الراحة على هذه الأرض فيما هو يجاهد روحيا.

الأمر أكثر تعقيدًا في علاقات الدول بسبب مطامع الدول الكبرى بالصغرى أو القوية بالمستضعفة فيأتي استغـلال هـذه الـدولة لتلك في التعامل التجـاري أو تحل الحرب التي غايتها الاستغلال والتوسع وابتلاع الكبير للصغير كما تعمل الحيتان بالسمك الصغير.

لذلك يقاوم الصغير الكبير بالوسائل المتاحة له ليدفع عن نفسه جشع الكبار وطغيانهم. وربما بقي هذا الوضع إلى الأبد لأن الأمم بحكامها أي بخطاياهم ولأن المنافع الاقتصادية تلعب في الحروب دورا كبيرا. ولا فرق عند المهاجم ان يُميت ما تيسّر له من الناس ويدمّر ويحرق ليسيطر. وقد يكون له تعاطف مع دول أخرى تسانده ويتبادل وإياها النفوذ والمصالح الاقتصادية.

إزاء هذه القاعدة التاريخية تشكّلت هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى ووضعت شرعة مقدمتها أخلاقية وقالت إن الاستيلاء على البلدان الأخرى ممنوع وانه لا يُكافأ المغتصب وتُرد الأراضي المغتصَبة لأصحابها. وكانت هذه الشرعة مستَلهَمة ببعض جوانبها من الإنجيل حتى تسود عدالة الله علاقات الدول فتصبح بدورها عادلة.

مع ذلك لم يتقيّد كثير من الدول بهذه الدعوة وحصلت حروب إقليمية لا تحصى بين الدول الصغيرة في أفريقيا وآسيا وهذا الشرق الأدنى ومنه لبنان الذي يُدمَر الآن ويُحـرق ويُقتل بنـوه والغايـة تدميـره وتشـريده وأذاه.

هذه النشرة ليست لبحث في السياسة التي يجب أن ينتهجها بلدنا ليعيش في سلام. هذا يفترض أن نكون أقوياء على طريقة هذا العالم وبوسائل العالم وهذا يفترض صداقات لنا مخلصة لا نطلب منها التحيّز وندعوها إلى العدل ومنع الموت من أن يحل بنا. وهذا ليس فيه تسوّل ولكن هذا هو حق الإنسان على الإنسان وحق لبنان على كل الشعوب القديرة بسبب مشاركة الشعوب بعضها بعضا لأن الإنسان أخو الإنسان ولأن الدول القادرة لم توجد لنفسها ولكنها وُجدت لموآزرة الدول الأخرى ما استطاعت.

حق الإنسان على الإنسان الآخر أن يؤمّن له السلام لأن السلام إطار الحياة الكريمة فلا يبقى فريسة الخوف وفريسـة الجوع والقهـر. والمسيح “رئيس السلام” كما يقول اشعياء وكما نرتل في الصوم الكبير. اجل هناك السـلام الداخـلي الذي هو الحريـة من الخطيئة وهذا هو الأعظم. ولكن هناك أيضًا سلام الشعوب بالمعنى السياسي الذي هو وضعنا الطبيعي على هذه الأرض قبل أن نرث الملكوت.