ما يلفت في بدء الرسالة قول بولس “ثمر الروح” بالمفرد ثم يعدد الفضائل التي يزرعها الروح القدس فينا. المحبة والفرح والسلام الخ… ليوحي ان ليس من حسنة فينا الا ومعطيها الروح الإلهي وليوحي ايضا ان الفضائل متماسكة فمن عنده المحبة التي يسميها اولا تأتيه الفضائل الأخرى لكون مصدرها واحدا.

            وحتى لا يظن القارئ ان الفضائل محفورة فينا الى الأبد يلفتنا الرسول الى ان هناك جهدا نبذله لنحافظ عليها فيأتي الخلاص موآزرة بين الجهد البشري والنعمة الإلهية. الفضائل ليست خزانة حديد اذ يجب العمل على حفظها وإذكائها والاقتناع بما يلغيها او يدمرها فينا. لذلك قال: “الذين للمسيح صلبوا اجسادهم مع الآلام والشهوات”. ويريد بالجسد الجانب الخاطئ فينا المكون من الأهواء التي ننفعل بها (ويسميها الآلام) وكذلك الشهوات التي هي تحقيق للأهواء الكامنة. لذلك يريد ان نضرب لا الخطيئة الظاهرة وحسب ولكن الأعماق النفسية التي نبتت منها الخطيئة. وهذا ما سيتكلم عليه كثيرا آباؤنا النساك الذين سموا الأهواء واعتبروها ثمانية وتحدثوا عن العلاج الروحي الذي نتقبله لنستأصلها من النفس حتى نصير احرارا من الهوى بمعنى النزعة المؤذية المولدة للشر على انواعه.

            اذًا نعيش بالروح اي بالروح القدس، نمتلئ منه فنسلك به. سلوكك يأتي من الداخل الذي كوّنه الله بالنعمة وبعد هذا يأتي العمل. ثم العمل بدوره يستدعي الروح الإلهي لينزل عليك. عندئذ يختار الكاتب ثلاث رذائل كأمثلة ويذكر العُجب او التباهي والمجد الباطل وهما مرتبطان بالكبرياء ثم الغضب الذي يدل على ان النفس ليست مطمئنة الى الله ولا تحب الإخوة واخيرا يذكر الحسد الذي يجعلنا غير محبين للخير عند الآخرين او نشتهي الذي عندهم من خيرات الدنيا ونكره ان يكونوا افضل منا.

            بعد هذا يلاحظ الرسول ان كل الناس معرضون للزلل فيقول: “اذا أخذ احدكم في زلة فأصلحوا انتم الروحيين مثل هذا بروح الوداعة”. لا تكرهوا احدا بسبب خطيئته فإن كل انسان حبيب الله ولو سقط وكل انسان افتداه يسوع ولكنه غفل عن رؤية الحق وعن مراقبة نفسه وأهملها فدخلت اليها عتمات الخطيئة. هذا اصلحوه باللوم او التأنيب او النصيحة الهادئة حسب احواله فلكل من الناس كلمة تقولونها له. ولا تكونوا قساة عليهم ولو كنتم ذوي حزم وعزم.

            اصلحوه بروح الوداعة التي قال عنها يسوع: “تعلموا مني انني وديع ومتواضع القلب”. تسلس بالوداعة علاقتك بالناس فاذا احبوك بسببها تستطيع ان تقول لهم كلمة الله وهي تصلحهم بقوة ذاتها. ولكن اذا أصلحت الآخرين “تبصر انت لنفسك لئلا تجرب انت ايضا” اي لا تستكبر اذا اصلحت ولا تحسب نفسك خيرا من الآخرين وتواضع امام الله لتعبر كلمته من فمك الى قلب الآخرين.

            ويختتم بولس هذا المقطع بقوله: “احملوا بعضكم اثقال بعض وهكذا أتموا ناموس المسيح”. فالناس متعبون ومرضى نفسيا وروحيا وكثيرون منهم غليظة قلوبهم وغليظة اقوالهم. احتملوهم جميعا كما حملنا السيد على كتفيه. واذكروهم في ادعيتكم اذا خطئوا وهذا افضل حمل لهم. احملوهم بحب يرضَ الله عنكم وعنهم.

            ذلك لأننا واحد في المسيح وكنيسة واحدة. وتتجلى الكنيسة اذا صبرنا بعضنا على بعض وتآزرنا ولم نحاسب احدا على خطيئة ثم رفقنا به وخدمناه حتى الموت.

            وينهي بولس قوله اذا فعلتم هذا تتمون ناموس المسيح الذي تختصره كلمة محبة.