في الخطاب الوداعي وعد السيد تلاميذه ان يرسل اليهم الروح القدس. “ان لم انطلق لا يأتيكم المعزي” (يوحنا 16: 7). ما وظيفته؟ “متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم الى جميع الحق… وذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم”. نحن نعلم ان المسيح علمنا كل شيء وان أحدا لن يزيد عليه. غير ان كلامه يجب ان نتذكره دوما وان يدخل القلوب. هذا هو عمل الروح القدس.

         تلاحظون في الرسالة المنشورة هنا ان حلول الروح على التلاميذ اتخذ شكل ألسنة نارية استقرت على كل واحد منهم. الروح يلهب القلوب ويوحدها. لذلك نزل عليهم وهم مجتمعون في مكان واحد ليهبهم مواهب. خدمة العنصرة تتكلم على المواهب: “ان الروح القدس نور وحياة وينبوع، حي، عقلي، روح فهم، صالح، مستقيم، عقلي، رئاسي، مطهر للهفوات، إله ومؤلِه، نار من نار بارزة، متكلم، فاعل، مقسم للمواهب…”.

         هذا الروح الواحد ينتج مواهب مختلفة في لمؤمنين، فهذا موهوب لخدمة الفقراء وذاك للتعبد وآخر للتعليم الديني المنظم وآخر للوعظ وذاك للإدارة وغيره لأعمال الرحمة. ومنا من كان له اكثر من موهبة. فالمؤمنون في الكنيسة يتصرفون بحيث لا يحسد احد الآخر ولا يستغني احد عن الآخر. هذه في مجموعتها تجعل الكنيسة جميلة.

         كل موهبة نعمة اي عطاء مجاني اراده الله لك وهو وحده يعلم لماذا خص فلانا بهذه الموهبة وآخر بموهبة اخرى. نحن نستلم ونأتي بثمار. غير ان الروح الإلهي يبني الكنيسة كلها. “الكنيسة جسد المسيح” اي كيانه الممتد في العالم. الى جانب المواهب الشخصية كيف يعيش المسيح في الكنيسة؟ يعيش بالكلمة التي نسمعها وتحيينا اذ يجعلنا الروح نمتصها، ويعيش كذلك بالأسرار الإلهية (المعمودية، الميرون، القرابين الإلهية وغيرها).

         هذه الأسرار نابعة من المسيح، من موته وقيامته. ففي المعمودية مثلا تموت مع يسوع وتقوم معه. الموت والقيامة حصلا لما كان السيد في البشرة (هنا على الأرض). ولكن كيف يتحقق موته وقيامته فيك؟ بالمعمودية التي يتممها الروح القدس. عند ذاك ينصب عليك فعل الخلاص.

         المسألة قد تكون اوضح في القداس. الكاهن يقول: “خذوا كلوا… اشربوا منه كلكم…”. انه يسرد حادثة العشاء السري الذي تأسس فيه سر الشكر (اي سر القرابين). كيف نبني على هذا الأساس او كيف يتم تفعيل هذا الكلام الإلهي؟ هنا يطلب الكاهن من الآب ان يرسل علينا وعلى القرابين الروح، ويطلب الى الآب ان يحوّل – بنزول الروح القدس – الخبز الى جسد الرب والخمر الى دم الرب. ما كنا موعودين به يتحقق الآن.

         نحن في المعمودية والقربان وسر التوبة وسر الزواج في عنصرة تدوم. الكنيسة تعيش بهذا الحضور الدائم للروح القدس  فيها.

         هو مُبدئ كل شيء. لذلك نقول: “ايها الملك السماوي المعزي…” في بداءة كل خدمة إلهية. انه “يشفع ينا بأنّات لا توصف”.هو يحملنا الى السيد والسيد يحملنا الى الآب.