يذكر سفر اعمال الرسل ان العذراء كانت في علية صهيون مع التلاميذ لما حل الروح القدس عليهم خمسين يوما بعد القيامة. بعد هذا لا يذكر العهد الجديد شيئا عنها، لا عن موتها ولا عن تاريخه. غير ان التقاليد القديمة المدونة في بعض الكتب التي لم تصنف في العهد الجديد تقول انها رقدت بالرب في اورشليم. ثم نلحظ ان قديسَين هما اندراوس الكريتي في القرن السابع ويوحنا الدمشقي في القرن الثامن كتبا عن رقادها وانتقالها الى السماء.
هذا معتقد انتشر بين المسيحيين وجعل منه عيدا يقع في الخامس عشر من آب. ولكن المجامع المسكونية لم تحوله الى عقيدة ملزمة مثل الثالوث المقدس او تجسد ابن الله. ولكنه دخل في العبادات، في الإنشاد والايقونة. والايقونة تمثلها راقدة وابنها واقفا الى جانب السرير يحمل روحها على ذراعه. وتراها طفلة مقمطة للدلالة على هذه الروح التي قبضها المسيح.
اجيال كثيرة منذ 15.. سنة تقريبا آمنت بهذا الأمر. ولذا يعتبر جزءا من تراثنا.
الفكرة التي تهيمن على هذا المعتقد ان التي حملت بيسوع وظللتها نعمة الله العلي عصم الله جسدها من الانحلال ونقلها اليه كما نقل مسيحه اليه. هذه المشاركة الأساسية بينها وبين ابنها جعلتها تموت كما مات السيد وجعلتها تنتقل الى السماء بجسد ممجد كما سنكون نحن بعد القيامة بحيث انها دخلت المجد الإلهي كاملا على طريقة الشهداء. بتعبير آخر هي لا َتمثُل امام الديان العادل بل صارت “اكرم من الشيروبيم وأرفع مجدا من السيرافيم” وهي اقدس من كل القديسين.
وبسبب هذا المجد جعلت لها الكنيسة اعيادا كثيرة ما عدا الرقاد. حبل حنة بها عيد، وكذلك مولدها، ولها عيد جامع ثاني الميلاد. ورتبت لها الكنيسة صوما بين اول آب وعيد الرقاد، وفي هذا الصوم تقام، إكراما لها، خدمة معروفة بالبراكليسي اي الابتهال وتقام لها “خدمة المديح الذي لا يجلس فيه” خلال خمسة اسابيع من الصيام الكبير، وهي صلوات مستمدة من عيد البشارة التي اشتركت بها من حيث انها قبلت نداء الملاك لها لتصبح أُمًا للإله الابن.
هذا الاحتفاء الكبير بها جعلنا نضع ايقونتها على الايقونسطاس (جدار الايقونات الفاصل بين القدس اي الهيكل وصحن الكنيسة) وهذا ما حدا بالمؤمنين ان تقام لها كنائس في كل انحاء العالم المسيحي مخصصة لهذا العيد او ذاك الذي نقيمه لها.
الى هذا هي مذكورة دائما في صلاة الغروب والسَحَر والقداس الإلهي بكمية من الصلوات لا تحصى لأنها واقفة قرب عرش الرب تشفع دائما بنا.
ولعل من اهم ما قيل عنها في الكتاب العزيز قول يسوع المصلوب الى تلميذه الحبيب: “هذه امك”. والكلام يتجاوز كون يوحنا هو الذي خاطبه المخلّص بهذا الكلام اذ الإنجيلي لا يسمي نفسه باسمه بل يقول عن نفسه انه التلميذ الحبيب. وتكون العذراء هكذا أمًّا لجميع المؤمنين بيسوع.
ماذا تعني هذه الأمومة؟ لسنا نعرف ذلك بالدقة. ولكن الكلام في ظاهره يعني ان ثمة علاقة حميمية بيننا وبين العذراء. فمَن تجاهلها في عبادته يكون متجاهلا لبعض من الإنجيل. ألم تقل لإليصابات: “ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال”؟ ان هذا التطويب لا يعني فقط ان نعظمها عقليا ولكن ان نخاطبها كأبناء في الصلاة والوحدة بها.
