بعد أن أسهب بولس في الرسالة الى أهل رومية في بحث الإيمان، يبيّن في قراءة اليوم ان هذا الإيمان ينشئ الكنيسة المتعددة الموهبة. وهذا كله من الله. فلا يفتخر أحد على أحد لأن هذه المواهب مجتمعة هي التي تنشئ كنيسة حيّة.
لا يذكر بولس موهبة الكهنوت اذ لا كنيسة بلا كهنوت. ولكن كنيسة رومية كنيسة ناشئة. عندما كتب اليها لم يكن قد ذهب اليها رسول. كانت المسيحية قد انتشرت منذ ربع قرن تقريبًا قبل كتابة بولس اليها وعرفت بإيمانها الكبير. فكانت غنية في العطايا الروحية.
هذا الإيمان الواحد ينشئ النبوءة، والنبوءة في العهد الجديد ليست حديثًا عن المستقبل ولكنها كشف إرادة الله للجماعة، للرعية الرومانية هنا. فالنبي بهذا المعنى هو من كانت له قوة التحذير والتوعية والتوجيه والتوبيخ. والنبي طبعًا هو من استند على الإيمان الذي يسكبه الروح القدس.
اما الخدمة فلا بد انها تعني اولا خدمة الكلمة. ولا خدمة لأحد ما لم يكن ممتلئا من الكلمة. ولكنها أخذت معنى خدمة الفقراء. ولما ظهرت رتبة الشمامسة سُمّوا خدامًا بالمعنيين: المعنى الطقوسي لأنهم كانوا يشتركون بالقداس الإلهي، والمعنى العملي لأن وظيفة رئيسة لهم كانت العناية بالفقراء.
اما المعلّم فهو الذي يعرف الإنجيل الذي لم يكن قد دُوّن في ذلك الوقت ولكنه كان تقليدًا شفهيا مُختَزلا في ما سُمّي “انجيل بولس”. النبي هو المُلهم في الآن الذي يتكلم فيه. واما المعلّم فلا، فهو الذي فهم المبادئ المسيحية الأساسية وعرف ارتباطها بعضها ببعض.
الواعظ يأخذ التعاليم الأساسية ويشرحها ويثقف الناس بها. المعلّم هو الانسان النظري، المتماسك الأفكار، يلقن التعليم كأستاذ. اما الواعظ فيوزع الانجيل على الرعية المجتمعة حسب حاجاتها. هو نظري وعملي معًا.
اما المتصدق فينبغي أن يكون بسيطًا لا يستعلي على من يُحسن اليهم. غير التصدق الفردي عندنا الصدقة الجماعية التي أخذت الكنيسة تنظمها.
المدبر الذي يدبّر بالرب وينذر ويتعب بالكلمة والتعليم.
هذه المواهب كانت تتلاقى وتتقاطع، وقد يكون المؤمن عنده أكثر من موهبة واحدة. واعتقادنا ان الذي جمع أكثر من موهبة هو الذي صار قسًّا ومسؤولا عن الجماعة.
بعد هذه الخدم التي تجعل وحدة الجماعة، انتقل بولس الى كون هذه المواهب لا يمكن تفعيلها بلا المحبة فأكد عليها ورأى انها تقود الى إكرام الواحد للآخر اي الى الاعتراف بموهبته، وهذا يجب ان يظهر في الاجتهاد، في التغلب الداخلي على ما يمنع المحبة التي تجعلنا “حادّين بالروح”، عابدين، فرحين، صابرين. هذه الفضائل ان ظهرت تدلّ على ان مواهب الروح القدس المذكورة اولا هي حقيقية لا وهم فيها. ودليل الصدق ان نؤآسي القديسين اي فقراء اورشليم، مضيفين للغرباء اي المسيحيين الوافدين الى رومية من أطراف العالم. ولعلّ بولس كان يتوقع الاضطهاد الذي حلّ فعليًا بعد سنوات قليلة على عهد نيرون. المضطهِدون يجب ألا نلعنهم بل ان نباركهم لكي يسطع في المدينة نور المسيح.
