كان لي خال استلم منذ ستين سنة وحده كل أوقاف مدينة طرابلس فرفع مواردها عشرة أضعاف في بضع سنين. وكان يبني كثيرا. سألته غير مرة: ماذا ينفعك مال الوقف؟ قال لنبني. فقلت له وبعد البناء ماذا تفعل به. قال لنبني.

طبعا فيما كان خالي يضيف عقارا على عقار كان الفقراء يتضورون جوعا وكان إحساسي أن بعضا من العائلات كانت تقبض بضع ليرات في الشهر لإسكاتها ولم تكن خطة لرفع شأنها الحياتي. وكانوا يعتقدون آنذاك انه محكوم على الناس أن يبقوا فقراء أو أغنياء. ولا يزال شعوري أن بعضا من متولّي أمورنا الوقفية يهربون من الفقراء بالحجر. لذلك سُررت سرورا عظيما لما اتخذ مجلس الرعية في منصورية المتن قرارا مسلكيًا سجله في محضر إحدى جلساته: البشر قبل الحجر، وقرارًا آخر يجعل الفقراء الهاجس الأول.

المال يعطي شعورا بالقوة والحجر بالثبات. هذا هو الإنسان العتيق فينا، الإنسان المشتهي هذه الدنيا. ولكن الذي يشعر بأن الفقراء همه الأول هذا يعرف انه يثبت في ملكوت الله. إن عبارة «نحافظ على الوقف» عبارة على الأقل ناقصة لأن السؤال لماذا تريد أن تحافظ؟ لم أسمع أحدا قال لي مرة: أنا أحافظ على الوقف ليدر عليّ مالا حتى أبدده على المساكين. هذه هي كلمة المزامير: «بدَّدَ، أعطى المساكين، فيدوم بره إلى الأبد». نحن لسنا وراء تثبيت أقدامنا في الأرض، ولكن وراء تثبيت عقولنا وقلوبنا في السماء.

المطرانية رازحة تحت عبء إحسانها. والإخوة الذين يطلبون إحسانا بسبب من مرض أو التأخر عن دفع الإيجار لمسكنهم أو أقساط أولادهم يأتونني من رعايا تملك مالا في المصارف. لماذا نكثر هذه الودائع؟ لماذا يتصرف بعض في الإمساك بالأموال وكأنهم يبخلون بأموالهم الخاصة؟ هناك تسلط على المحتاجين واضح أو إهمال لهم إذا كنا لا ننهرهم أو نتضجر منهم؟

هذا ليس كل المصيبة. المصيبة الكبرى هو أن نريد المسؤولية المالية إلى العائلات، والقانون يسندها إلى الأتقياء الموهوبين روح الخدمة والملمّين بأساليبها، وقد تكون عائلتك خالية من هؤلاء الموهوبين أو تكون روح الخدمة ضعيفة فيها. أنت تريد إذًا لعائلتك السلطة، ولا تجد ميدانا للسلطة إلا في الكنيسة. أو قد لا يكون في أهل بيتك مَن عنده روح الشورى أو قدرة على المناقشة الهادئة. وإذا كنت حقا محبا لله وتؤثر مجد المسيح في قريتك، فلا تتمسك بعائلتك في هذا المجال، وأَقلِع عن فكرة التمثيل العائلي، لأن كنيسة يسوع الفقير وإنكاره للمجد يخدمها فقط الودعاء العارفون بالأصول.

ولعل الخطأ الأفتك في العائلية أن تظن أن الكنيسة مؤلفة من عائلات في حين أنها مؤلفة من أفراد. مرات عديدة شعرت بالذل لما كان يقال لي: أنت لست فقط كاهنا (أو مطرانا) ولكنك واحد من العيلة. هؤلاء ما كانوا يرون أن شرف الكهنوت الذي أنا حامله أهم من انتمائي إلى عيلتهم.

إذا لم نتحرر من كابوس العيلة، نحن لسنا للمسيح. «مَن أَحبَّ أبا أو أما أكثر مني فلا يستحقني». نحن لم نولد من لحم ودم ولا من شهوة رجل وامرأة، نحن وُلدنا من الله، وليس بيننا من شراكة إلا لكوننا صرنا أبناء الله.