نقيم هذه الذكرى الأحد الذي يلي العنصرة لأن الروح القدس الذي تجلّى فيها إنما دوره الأساسي أن ينشئ القداسة في الكنيسة. إيماننا أن القداسة نعمة من الله يمنّ علينا بها مجانا بدافع من رحمته وأن الإنسان لا يستطيع بجهده وحده أن يصعد إلى الله. لا شك أنه لا بد لنا من جهود جبارة لنحفظ قداسة الله فينا, ولكن التعليم الأساسي “أنكم بالنعمة مخلَّصون” (افسس 2: 8). القداسة هبة من فوق.
في إنجيل اليوم –وفي لقاء النعمة والجهد البشري- نرى أن السيد يطلب الاعتراف به قدام الناس. نعلن إيماننا بالمسيح قدام البشر جميعا. أقله ألا نقبل عقيدة مخالفة وألا نرضي أحدا بنكراننا جزءا من العقيدة. وقد يضطرنا إيماننا, في أزمنة الضيق, أن نعترف بالمسيح حتى الشهادة الكبرى بالموت الطوعي من أجله. ففي بلاد تعددت فيها الأديان, الاعتراف بالمسيح يسوع باللسان شرط أساسي لإخلاصنا له. إخفاء إيماننا أو التقليل من خصوصيته وفرادته وقيمته نوع من أنواع الخيانة.
الخط الثاني في القداسة يوضحه قول السيد: “مَن أحبَّ أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني”. المسيح فوق كل واحد وكل شيء في محبتنا. عاطفة تصطدم مع إخلاصنا للمسيح تكون سيئة. أنْ توافق أعزّ الناس عليك في ما يقولونه أو يفعلونه بحيث تعاكس قول الرب ووصاياه, وذلك لكونك تستحي منهم أو لكونك تنتفع منهم أو لكونك ضعيفا أمامهم, كل هذا خطيئة ونكران. أما المحبات الصادقة والشرعية والموافقة لشريعة الله فهي امتداد لمحبتك للسيد. هي مضمونة في طاعتك للرب.
هذا يقود إلى قوله المبارك: “من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني”. فإذا أردت أن تحب يسوع فحياتك مليئة بالصعوبات. أكثر الناس لا يحبون يسوع. يريدون أن يردوك عن هذه المحبة. ثم حولك في بيتك وفي عملك ومجتمعك ناس يعذبونك أو يشتمونك أو يعرقلون مسيرك. بعضهم صليبك اليومي. قد تحسب مثلا فتاة أنها تحب شابا وتتزوجه ويتبين أنه غير صالح. هو صليبها. أن تتقبله بوداعة وصبر يعني أنها أخذت على عاتقها صليب المعلّم. رئيسك في العمل قد يكرهك ويحاول أن يستبدّ بك. رفيقك في العمل قد ينافسك بصورة شنيعة. أنت لا تقدر أن تغيره من بعد نصيحة أو لوم. أنت مصلوب على هذا وذاك. هؤلاء الأعداء طريقك إلى المسيح. الدنيا مليئة بالحساد والظالمين. وقد يكون هؤلاء الأقرب إليك, وربما تكون ساعدتهم وأحسنت إليهم بمال أو خدمة. جاحدوك طريقك إلى المسيح.
والخط الأخير في هذا الإنجيل قوله المبارك: “كل من ترك بيوتا أو اخوة أو أخوات… يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية”. القداسة قبل كل شيء ترك, انسلاخ عن أحب الناس إليك, انسلاخ عما اشتهاه قلبك عن غير وجه حق. الالتصاق ببعض الناس ومجاملتهم كثيرا ما كان فيه انعزال عن المسيح. أنت لا تستطيع أن تماشي أقرب الناس إليك في الباطل. المسايرة قد تكون خوفا طمعا بمال أو مجد أو أية شهوة أخرى.
قد تحس كلما تركت شيئا أو شخصا أنك في صحراء. السيْر في الصحراء شرط لوصولك إلى الواحة. والواحة هي المسيح.
