بعد أن صعد يسوع إلى السماء وجلس عن يمين الآب, أي بعد أن بدا سيدا على البشرية والكون, أرسل الروح القدس على الرسل وعلى الكنيسة ليكمل عمل الابن. أن الخلاص تم نهائيا بتعليم المسيح وموته وقيامته وصعوده إلى السماء وليس من خلاص آخر. غير أن الإنسانية مدعوة أن تعرف ما حصل من أجلها. ولهذا كان الإنجيل.
وكان لا بد أن تظهر الكنيسة أي جماعة الذين يحبون يسوع, وإذا ظهرت أن تأخذ هذا الإنجيل الذي دُفع إليها لتفهمه وترشد مؤمنيها والعالم به. ولكي تدخل الكنيسة في صميم الإنجيل كان لا بد لها من روح يسوع. ولكي يحيا المؤمنون بالمسيح ويذوقوه حقا كان لا بد لهم أن يتقدسوا بالحق ويتزيّنوا بالبرّ. وهذه الأعمال التي تنشئ فيهم القداسة وترفعهم إلى السيد هي أسرار الكنيسة من معمودية وميرون وتناول جسد الرب وبقية الأعمال التقديسية من تكريس الكنائس ونضح المنازل بماء الظهور الإلهي (الغطاس) وما إلى ذلك.
ثم كان لا بد للمصلّين أن يكون عندهم الروح الإلهي لكي يتمكنوا من صلاة حارة ومتواصلة، وكان لا بد لهم أن يحبوا بعضهم بعضا وأن يكافحوا روح الشر إذا أغراهم أو هاجمهم. وكان لا بد أيضا من معلمين وكهنة وأساقفة لينقلوا الإنجيل بفهم ويخدموا المؤمنين وحاجاتهم ويوحدوهم بالمسيح ويدفعوهم إلى التوبة.
كل هذا العمل الكنسي أراد الرب يسوع أن يقوم ويتدعم ويبقى بقوة الروح المنبثق من الآب قبل الأزل والمرسَل إلى العالم من بعد صعود السيد إلى السماء. فالروح القدس المستقر في المسيح كان ليجيء من المسيح إلينا ليفتقدنا ويبقى معنا إلى الأبد. فالكنيسة المؤسسة على المسيح وعلى دمه وانتصاره ينسكب عليها الروح القدس دائما وإلا تحولت إلى مجموعة بشرية عادية. فمعاني الإنجيل لا تنتقل إليك ما لم يلهمك الروح. والماء لا يعمدك ما لم يقدسه الروح. والخبز والخمر العاديان لا نفع لهما إلا إذا صارا باستدعاء الروح القدس عليهما جسد المسيح ودمه فلا تأكل أنت خبزا وتشرب خمرا ولكنك تتناول المسيح نفسه. هذا لا يتم إلا بمشيئة الآب وخلاص المسيح ونزول الروح الإلهي على الكنيسة.
ولهذا جاء في إنجيل يوحنا اليوم: “خذوا الروح القدس. من غَفرتم خطاياهم تُغفر لهم ومن أَمسكتم خطاياهم أُمسكت”. فإذا نزل الروح عليكم تقدرون أن تغفروا.
وقد نزل الروح فعليا يوم العنصرة كما ورد في سفر أعمال الرسل وذلك خمسين يوما بعد القيامة. نزل على الرسل ووالدة الإله ومن معهم من المؤمنين الأوائل ” وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم ” بمعنى أن الروح نزل على الكنيسة الأولى المجتمعة بالمحبة وعلى كل واحد من أعضائها. وأخذوا يتكلمون بلغات مختلفة أي أن رسالة يسوع بقوة الروح أخذت تنتشر في العالم كله.
وتَقوّى الرسل ولم يعودوا خائفين من اليهود وأذاعوا الإنجيل في المسكونة كلها, وجذب الإنجيل الناس بجمال تعليمه, وفهمت الإنسانية أن يسوع الناصري هو ملك القلوب وأن تعليمه يشفي ويحرر من الخطيئة. وظل الروح القدس ينزل كل يوم, فكل قداس عنصرة جديدة. وأنشأ الروح القديسين الذين أَحبوا يسوع على أنفسهم. وهو الذي شجع المؤمنين في كل زمن اضطهاد أن يصمدوا, فكان الشهداء الذين كانت محبتهم للسيد أقوى من الموت.
واستمرت الكنيسة وستبقى إلى الأبد لأن المسيح معها إلى الأبد. وعلى كل الصعاب وعلى رغم خطايانا يرسل يسوع روحه لنحيا بقداسة الحق ونذلل كل صعوبة وننعتق من الخطيئة وننادي بأن المسيح هو فينا القيامة والحق والحياة.
