لا تُفهم المواهب المتنوعة التي لنا في الكنيسة إلا لكون كل واحد منا له شركة مع الروح القدس (2كورنثوس 13: 14). فالروح الإلهي الذي فيّ وفيك معاً يجعلنا واحدا. لهذا يقول يوحنا الحبيب أن لنا شركة بعضنا مع بعض (1يوحنا 1: 7). هذه ثمرة لشركتنا “مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح” (1يوحنا 1: 3), فالذين يسيرون في درب القداسة يعيش الثالوث فيهم ويوحدهم.

هذه هي الوحدة, وضمن الوحدة هذا أسقف أو كاهن وذاك علماني أي عضو كامل في شعب الله. الإكليريكي له خدمة, وللعلماني خدمة. النعمة توحدهما ولو اختلفت الوظائف في جسد المسيح. ليس أحد فوق أو تحت أو على الجنبات. كلنا في قلب الله والفرق بيننا الجدية في طلب النعمة.

ضمن الجسد الواحد تتنوع المواهب بصرف النظر عن الوظائف. أما من اجتمعت فيه موهبة التعليم وموهبة الوعظ والرعاية فيدعوه ربه إلى الخدمة الرعائية. ومن كانت له موهبة التعليم وحدها فيصير معلما أو أستاذ لاهوت كما نقول اليوم ولكنه لا يصير كاهنا بالضرورة إذ قد تعوزه موهبة الوعظ والقدرة على افتقاد الاخوة. قد لا يكون الكاهن مؤهلا للعمل الاجتماعي كما هو ممارَس في العصر الحديث. العامل الاجتماعي,إذ ذاك, يعاون الكاهن ويكمله.

بين الكهنة أنفسهم من كان قويا في معرفة اللاهوت أو لامعا في الوعظ أو اقل التماعا. إذ ذاك لا بد من أن يتعاون الكاهن مع زميل أقوى منه. أما الأسقف فتتوافر فيه أصلا معظم المواهب. ولكن ليس من الضروري أن يكون إداريا كبيرا. فالإدارة علم قائم في نفسه. عند ذاك لا بد له من أعوان. من هنا أن القوانين المقدسة تلزمه فور استلامه المسؤولية أن يعين مدبرا وهو ما يقال له اليوم رئيس ديوان أو مجموعة معاونين هم أقدر منه في معرفة المال والاقتصاد وما إليهما. غير أن الأسقف والكاهن لا بد لهما من الحكمة فإنها نعمة إلهية تؤهله أن يتدبر شأن الناس بمحبة ووداعة ولا ينتظر منه أحد أن يكون أخصائيا في شؤون هذه الأرض.

كيف يوظَّف المال أو كيف تدار العقارات هذا ليس من شأن الأسقف مباشرة. يجب أن يعرف الأسقف أن يتقن فن الإصغاء إلى الكهنة وإلى العلمانيين الذين لهم كلٌّ في مجاله معرفة لم يُحصلّها هو. والمحبة هي التي تلهمنا بمن نستعين وتلهمنا أن ننتدب آخرين. ولكل أخصائي مكانته. غير أن أصحاب المعرفة يجب أن يتشاوروا وأن يقدّموا معلوماتهم للأسقف الذي يتخذ مسؤولية القرار الأخير في الحكمة الإلهية التي فيه. هو يتخذ القرار الذي يراه صالحا لمجد الله ولبنيان مَن يمسّهم القرار ويتوخى في ذلك أولا وحدة الرعية. فقد يكون القرار نافعا ماليا ولكن قد تتصدع وحدة الرعية. الأولية هي دائما للنمو الروحي في هذه الرعية أو تلك أو في الأبرشية ككل.

مع من نتشاور؟ مع أي إنسان عارف بالموضوع الذي نبحث فيه, ولكننا قبل كل شيء نتشاور مع الذي عنده روح الرب. ولهذا فرضت القوانين أن يكون مجلس الرعية مؤلفا من الذين يحبون ربنا يسوع المسيح, الخالين من الغرَض والأنانية, الذين يمارسون حياة التقوى ويخضعون لكلمة الله. مجلس الرعية ليس فقط جمعية خبراء ولكنه اجتماع عقلاء. إنه لمفيد أن يعرفوا مسائل هذه الدنيا, ولكن الأهم أن يعرفوا حقيقة المسيح وأن يسعوا إلى وحدة الرعية, وأن يتحرّروا من العشائرية, وأن يكرّموا كاهنهم, وأن يكونوا كرماء النفس واليد.

أجل إن المحافظة على الأوقاف وتنميتها أمر جليل, ولكنه ليس الأمر الأجلّ. فأهم شيء عندنا أن نجتنب الخصومات والعائلية البغيضة وأن نحث المؤمنين على أن يلتفّوا معا حول المسيح, ومن ترجمات ذلك أن نلتف حول الأسقف ولا نُقْدِم على عمل يكرهه ولا أن نتفرد عنه بقرار محلي. لا يجوز أن تلغي رئيس الكنيسة لأنك بذلك تكون ألغيت المسيح. إن رضاء الأسقف والكاهن من رضاء الله عليك, وأن تفتش عن أخيك ولا تبعد أحدا ولا تتسلط على أحد بركة من بركات الله عليك. المواهب متعددة كما يقول الرسول, ولها جميعا مكانتها في الجسد الواحد. ولا يحتقرن منا أحد الصغار فليس أحد منا صغيرا. رأي من تستصغره أنت قد يكون الأصح. كل منا فليقدّم الآخر عليه ويقبل رأيه إذا كان صالحا. هذه هي مسرّة الله.