خاطب السيد تلاميذه في خطبة الوداع بقوله لهم: “أنا الكرمة وانتم الأغصان” (يوحنا 15: 5) أي كل منا مع الآخر وكلّنا معًا نجيء من المسيح. وبعد القيامة “كان الجميع معًا” (أعمال 2: 1). كذلك “وجميع الذين آمنوا كانوا معًا” (أعمال 2: 44). ليس أحد منا وحده أو منفصلاً عن الآخرين. وفي العلية كان الإثنا عشر والنساء ومريم معًا لمّا حلّ الروح القدس عليهم.

فالمؤمن يسند المؤمن بالصلاة, ويعبّر المؤمنون عن وحدتهم في الصلاة المشتركة. المسيحية عرفت منذ البدء صلاة الجماعة يوم الأحد. وفي قداس يوم الأحد كان المؤمنون يصيرون جسد المسيح بمعنى أنه كان يجعلهم “أُمّة مقدّسة” (1 بطرس 2: 9). فإذا كانوا أمّة فليسوا منقسمين أو مفصولين أحدهم عن الآخر. الكنيسة هي الأمة المقدسة. وبعد أن يكون الفرد قد انضمّ إلى الكنيسة بالمعمودية لا يبقى وحده. إنه مع الجماعة كلها.

يؤكد هذا بولس بقوله: “لأننا جميعًا بروح واحد أيضا اعتمدنا إلى جسد واحد” (1 كورنثوس 12: 13), ويريد بذلك إننا ألفنا جسدًا واحدًا هو إيّاه جسد المسيح. ولكي يحررهم بولس من فكرة الواحد قائم بنفسه أو وحيدًا قال: “إن الجسد ليس عضوًا واحدًا بل أعضاء كثيرة”. ولكي يزداد فهمهم لهذا السر أوضح: “إن قالت الرِجْل لأني لستُ يدًا لستُ من الجسد, أفلَم تكن لذلك من الجسد؟”. أجل أعضاء كثيرة لكل منها كرامته. فالأعضاء تنتمي إلى الجسد الواحد “لكي لا يكون انشقاق في الجسد بل تهتم الأعضاء اهتمامًا واحدًا بعضها لبعض”.

وكي لا يبقى غموض في هذا التعليم أضاف الرسول: “إن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه… وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا”.

عاد بولس إلى هذه المعاني في رسالته إلى أهل أفسس وقال عن اليهود والأمم الذين آمنوا إنهم صاروا “إنسانًا واحدًا جديدًا” (2: 15). هنا أيضا نجد فكرة الجسد الواحد. ويخاطب الرسول جماعة أفسس هكذا: “أنتم متاصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تُدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو” (3: 18). وقصده في ذلك أنكم إذا بلغتم المحبة تبلغون الفهم ولكن ليس كل منكم منفردًا ولكن إذا كنتم بعضكم مع بعض. وتجد صدى هذا التعليم في قول القداس الإلهي: “لنحب بعضنا بعضا لكيما بعزم واحد نعترف مُقِرّين بآبٍ وابنٍ وروحٍ قدسٍ ثالوثًا متساويًا في الجوهر وغير منفصل”.

في الرسالة إلى أهل رومية يؤكد بولس تعليمه عن الكنيسة جسدًا للمسيح: “نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضًا لبعض كل واحد للآخر”. العنصر الجديد بالنسبة إلى الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس أن كل واحد منا عضو للآخر. ليس أن كل واحد عضو في الجسد المشترك ولا ارتباط لأحد منا مع الآخر ولكن الأعضاء مرتبط كل منها بالآخر والكل مرتبطون بالجسد الواحد.

هذا التعليم نجد صورته في بدن الإنسان. فنحن نعرف من علم الصحة أن الأعضاء الرئيسية إذا اختلّ أحدها فهذا يؤثر في أعضاء كثيرة. فهناك ضغوط ألم كما يقول الطب الصيني. والجهاز العصبي مترابط وكذلك الجهاز الهضمي وما إلى ذلك.

اجتماعيًا إذا ضعفت سلامة الوالد أو الوالدة أو الولد فهذا يؤثر في الحياة العائلية كلها.

وحدة الجسد لا تمنع مواهب كثيرة ومختلف. فهذا موهوب للتعليم لا ليفتخر بذلك ولكن لكي يقوي الجسد كله. كذلك من له هبة الوعظ أو هبة الخدمة أو هبة الرحمة فلكي يبني الجسد. ولكوننا ننتمي إلى جسد المسيح الواحد نقدر أن نقول جميعًا قولاً واحدًا وأن يكون لنا فكر واحد ورأي واحد وألا يكون بيننا انشقاق (راجع الرسالة الأولى إلى كورنثوس 1: 1 و11).

وظائف كثيرة في الكنيسة (رسل, أنبياء, معلّمون, صانعو عجائب) ولكن أعظم المواهب هي المحبة لأنها تقيم لحمة بين أصحاب المواهب كلها فتجمع الهبة إلى الهبة ويغتني هكذا جسد المسيح. ومن غنى هذا الجسد يصبح كل منا مليئا بالروح.