بعد أن يذكر كتاب الرسل «أنبياء ومعلّمين» في كنيسة أنطاكية قال: «وبينما كان هؤلاء يقيمون الخدمة للرب (أي القداس الإلهي) ويصومون، قال الروح القدس: أفردوا (بمعنى خصِّصوا) لي برنابا وشاول، فلمهمةٍ ندبتُهما. فصاموا، وصلّوا، ووضعوا الأيدي عليهما، وصرفوهما» (13: 2 و3). ماذا في النص؟

الروح القدس يلهم الكنيسة مجتمعة، وهي، مجتمعة، تصوم وتصلي وتتهيأ إلى أن يلهمها الله. عندنا هنا أساس إلى أن الصوم صوم الجماعة، والصلاة صلاة الجماعة. وعندنا أيضا أن الصوم غايته الوحيدة روحية أي أن يتقدس المؤمن الفرد وأن تتقدس الكنيسة أيضا. الصوم والصلاة مترافقان إذاً بمعنى أن الصوم لا يمكن أن يكون مجرد نظام طعاميّ. إذا بقي هكذا لا يهتم الله له ولا ينفع صاحبه. إنه رياضة تصير فيها الصلاة مكثفة. ولهذا ليس من حديث عندنا عن منافع الصوم معزولا عن الدعاء. «الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة». (بولس).

أجل هناك فائدة من الحرب التي تشنّها لذة اللسان وعلى التخمة. وهناك ترويض للنفس في الخروج على حضارة الاستهلاك. غير أن هذا لا ينفع إلا إذا عشنا معزولين عن اللهو والاسترخاء. هذا ضده قبض الحواس بحيث لا تكون منفلشة. رقابة على العين، على ما نسمع، على ما نقول، قمع للنميمة والشتم. رياضات إمساك ورياضة على الفضائل متماسكة. في الممارسة الطويلة للصيام نفهم أن عقل اللسان والفم ضروري للصلاة العميقة، الموصولة، والقراءة الإلهية. هذه أشياء لا تنفكّ بعضها عن بعض. وإذا لم تبلغك هذه الخبرة فاسلُكْ سلوك الأجيال السابقة التي عملت هكذا وفهمت. في الكنيسة أشياء كثيرة لا يفهمها كل فرد إذ كثيرا ما تعوزه الممارسة والدراسة. يفهم من سواه. وهذا سر الكنيسة أننا جسد واحد يتكامل أحدنا بالآخر فيعطي العالِمُ الجاهِلَ والأعظمُ في التقوى مَن كان دونه تقوى.

الكنيسة لا ندرك شؤونها فقط بالفهم العقلي. القلب المؤمن هو الذي يدرك، وأنت تأخذ بكل ما في الكنيسة لأن هذا كله من الروح الإلهي الذي تكلم بالروحانيين الكبار فأمَدّونا بما ذاقوه من حلاوة يسوع. فبعد أن تتروّض أنت على ما تروّضوا عليه، تفهم ما فهموه. وإذا أصغيت َ إلى هذه الفِرَق الغريبة التي تحاول أن تضرب كنيستنا بجانبٍ منها كالصوم، ترى نفسك مجرورا إلى ترك أشياء أخرى فتحسّ أن حبك لكنيستك بطلَ وأنك انتقلتَ إلى الأعداء.

فإنْ لم تبدأ صومك، فهوذا الآن وقت مقبول. وإنْ بدأته ولم تحضر الخِدَم المقامة في كنيسة رعيتك، ومعظمها يقام في المساء، وليس عندك عذر، فتابع الصلاة شديدةً لئلا تحسّ بفراغ الصيام من معناه. تكون ضعيفا للغاية إن قلت في نفسك: لا أستطيع الاستغناء عن هذا الطعام أو ذاك. «إني أستطيع كل شيء بالمسيح الذي يقوّيني» (بولس). معذور أنت فقط إن كنتَ طفلا أو فتى صغيرا أو أوجبَ عليك الطبيب نظاما معيّنا من الأكل. أنت لا تستطيع وحدك أن تستهين القواعد الروحية الموضوعة منذ القديم.

هذا كله مرتَّب لكي تستقبل الفصح. المسيح القائم من بين الأموات يجب أن تستعدّ للقائه. إن كنتَ لاهيا أو كسلان أو مسترخيا أو فاقد الذاكرة الروحية أو كان فمك مكموما عن مخاطبة المسيح بأدعية موصولة أو غير منكبّ على الكتاب الإلهي، فليس فيك ما يستقبل المسيح. كيف تقول: «المسيح قام»؟ أين يقوم إن لم يقم فيك؟