طالعتنا جريدة «النهار» في عدد 5 حزيران بمقال عنوانه: «هل هذا هو الوجه الحقيقي للمسيح؟»، ببناء مجسم يقال انه الأقرب الى وجه المسيح. والمحاولة قائمة على دراسة جمجمة رجل يهودي اعتبر الخبراء انه يمثل النموذج الأنسب للأشخاص الذين عاشوا في فلسطين في وقت المسيح لأن الجمجمة تعود الى القرن الاول.
طبعا ليست الجماجم خارجة من قالب واحد او ليست هي متشابهة. وفي المجال الأثري ليس من تأريخ قاطع. ولا نعلم اذا كانت الدوائر الاسرائيلية مهتمة بهذا الموضوع كما لا نعلم نياتها.
هنا لا بد لنا من القول ان المسيحيين الاوائل لم يهتموا إطلاقا للشكل الجسدي الذي كان عليه السيد. فقال بعضهم ان هذا الوجه كان جميلا وقال آخرون العكس. وطبعا ليس في الإنجيل اهتمام بهذا الأمر. وأثبتت الدراسة ان «كفن تورينو» الذي قيل انه كفن السيد هو من القرون الوسطى. كما أثبتت الدراسات ان وصف يسوع المنسوب الى بيلاطس نص غير ثابت. ليس عندنا اذًا اية إشارة عن هيئة المخلّص الجسدية، وبالتأكيد هذا لا يهمّنا.
هناك تمثال مصنوع بعد قيامة المخلص ببعض عشرات من السنين يصوره فتيا. ولكن هذا عمل فني لا علاقة له بالواقع. كذلك اقدم ايقونة عن الرب محفوظة في متحف اللوفر في باريس هي ايقونة قبطية تعود إلى القرن الخامس. غير ان الايقونة فن ديني، تعليمي، لا يفتش فيها الرسام عن تقليد صورة واقعية اذ ليس عنده هاجس فوتوغرافي. وحيث ان كاتبي الايقونات -وهكذا نسمّي الرسّامين- يتبعون النماذج الاولى ليوحوا فكرة روحية، أتت صورهم متشابهة جدا. الايقونة هي اقرب إلى الرمز من الشكل الجسدي المنظور. هي قراءة لاهوتية لمن نصوّره.
الفن الاوربي استوحى الايقونة ولو استقل عنها بالأسلوب والصناعة. فالمهم عندما ننظر إلى الايقونة ان نرتفع روحيا إلى ما هو مصوَّر عليها، وليس عندنا سعي إلى معرفة شيء عن بشرة السيد أو لون عينيه. طبعا كان يشبه اهل هذه المنطقة المشرقية. هذا كل ما يمكن أن نقوله.
علاقتنا بالرب هي بالروح القدس. نحن لا نعرفه حسب الجسد ولكن حسب الروح كما يقول بولس. اي نعرفه في القلب عندما تنسكب فيه النعمة. ونعرفه كما عرفه تلميذا عمواس «عند كسر الخبز» في المناولة الإلهية وفي الكلمات التي خرجت من فمه. ونعرفه في المحبة اذا عشناها وفي الرباط الكنسي الذي يوحّدنا بالإخوة.
عندئذ لا تعطينا السينما شيئا عن المعلّم اذا مثّل دوره ممثل ولا تزيدنا ايمانا. هو ليس عندنا مجرّد بشر لنضعه في المسرح. نحن نراه بعد القيامة اي نراه دائما كائنا نورانيا مرتبطا بنا بالروح القدس وقائدا لنا إلى الآب. لنا ان نستمتع فنيا باللوحات التي وضعها كبار الفنانين ورسموا فيها حوادث من الإنجيل ومنها الصلب. هذه لوحات لا ننكر شرعيتها، ولكنها لا تجعلنا نصلّي. نحن لقاؤنا مع السيد في الصلاة وفي الايقونة. كذلك نستمتع بالموسيقى الكلاسيكية التي لحنت قداسا غربيا على نهج تعدد الأصوات. ولكنا لسنا هكذا نصلّي. نصلّي بالروح.
