اذا فتحت في اول نيسان السنكسار، وهو الكتاب الذي يحتوي سير القديسين، ترى في العنوان سيرة امنا البارة مريم المصرية، واذا قرأت القصة تراها قصتين، واحدة عن الراهب زوسيما وواحدة عن مريم. غير ان التوبة المذهلة لمريم حجبت زوسيما فخُصص لها الى يوم عيدها في اول نيسان هذا الأحد الخامس من الصوم. ويقول القديس صفرونيوس واضع السيرة انه استقاها بالتواتر من رهبان دير القديس يوحنا المعمدان في الأردن.

         زوسيما حاول روح الشر ان يقنعه ان ليس من يفوقه في النسك في برية الأردن. فذهب والتقى مريم التي بعد توغلها في فسق كبير بلغت درجة من القداسة اعلى من التي رغب فيها الراهب لنفسه. الحوار بينهما أخاذ. زوسيما وهو كاهن يطلب منها البركة، وهي تذكّره، لكونه كاهنا، انه هو الذي يعطي البركة. سألها من تكون. هنا تأتي السيرة المعروفة. حدثته عن الدعارة التي تعاطتها في الاسكندرية ليس رغبة في الكسب ولكن لاعتبارها تعاطي الجسد مصدرا للحياة.

         مرة رأت جمهورا يتراكض باتجاه البحر قاصدا الحج الى اورشليم. لا تقول السيرة انها سافرت لمحبتها الأماكن المقدسة. مارست الخطيئة في السفينة مع الركاب الذين سافروا بقصد الزيارات. حاولت دخول الكنيسة. منعتها قوة غير منظورة. شعرت بالتناقض بينها وبين كنيسة القيامة. استفاقت وسجدت. دخلت. تابت. قال لها صوت إلهي: اعبري الأردن. بقيت هناك 47 سنة. لازمتها التجربة 17 عاما. قاومت حتى بلغت الهدوء. قاومت ذكرياتها.

         بعد حديث شائق طلبت الى الراهب ان يأتيها بجسد الرب. عاد اليها بالقدسات في الصيام. رغبت اليه ان يعود في السنة القادمة. رآها قد رقدت بالرب وكان هذا في اول نيسان.

         تقول السيرة ان أسدًا اتى وحفر قبرا فآواها زوسيما فيه. هناك ايقونة تملأها هي بقامتها والى يسارها زوسيما منحن، وهو اياه عن يمينها يحمل الكأس المقدسة ولكنه يبقى اقصر منها. النصوص الطقوسية تقول لنا ما مفاده ان التحرك الشهواني الذي كان فيها تحول الى تحرك نحو المسيح. التوبة ليست ان تصير باردا، بليدا بل ان تُحوّل احتراقك من اجل الجسد او الدنيا او المال او السلطة احتراقا من اجل يسوع. لذلك اعتبرت الكنيسة هذه المرأة نموذجا عن كل نفس تائبة. ووضعت ذكراها في الأحد الخامس وهو الأخير من الصوم لندخل – بهذه التوبة المحققة – مع الرب اورشليم في احد الشعانين مطهَّرين لاستقبال الأسبوع العظيم.

         من احد الفريسي والعشار مرورا بالابن الشاطر حتى يوحنا السلمي وذكر الفضائل انتهاء بمريم المصرية نرى قمم توبة الى جانب آحاد هي ادنى الى التأمل اللاهوتي. انما تكمن اهمية مريم المصرية في ان نذكر اننا نحمل عبء الجسد ثقيلا والقلة تنعتق من هذا العبء. غير ان حضور زوسيما في السيرة يذكرنا بأن الذين تحرروا من وطأة الجسد قد لا يتحررون مما هو افتك اعني الكبرياء. كل منا له ضعفه الخاص او ضعفات متعددة، وامام كل هذه الضغوط وداعة المسيح وطراوته. وازاء كل التجارب التي تنتابنا تنتصب صورة مريم المصرية مذكرة بأن الله قادر ان ينشلك من كل نجاسة ويريحك من كل خطيئة مهما ثقلت. المهم الا تستسلم الى اليأس والا تحالف الخطيئة، ان تقول ان المعاصي هي ضد المشيئة الإلهية وان محبة الله معي لكي أفيد منها حتى أَخلص.