لقد رأى يسوع على ضفاف بحيرة طبرية (متى 4: 18-23) أن هناك من كان مؤهلا للسير وراءه. أن تمشي وراء المعلّم هو أن تفتح قلبك له، أن تُسلّمه قلبك ليسود عليه ويملأه. شدّ إليه اندراوس وبطرس فتركا ما كان يربطهما بمعيشتهما، أي الشِّباك، وتبعاه. في المشوار نفسه على البحيرة، جذب إليه يعقوب بن زبدى وأخاه. هذان لم يتركا فقط الشباك ولكن أباهما. انسلخا من أجله عن كل ما في العالم.
ما يميزنا عن كل الأديان أن هذه تقوم على كتب ونحن نقوم على شخص المعلّم. نتعلم من حبه، من موته، من قداسة كلامه. ولاء شخصيّ له يتبعه طاعة. شخصه هو الحقيقة وفيض نور لا ينقطع. وإذا شاهدنا وجهه على أنه كل شيء فنتمكن من ترك كل حاجز بيننا وبين وجهه.
هذه الصلة الحميمية بين يسوع والمؤمن هي التي تدفع هذا إلى تغذيتها بقراءة الكلمة وترويض نفسه على البِرّ وممارسة الخدمة الإلهية حتى يبقى السيد دائما أمام عينيه. فالنار تحتاج إلى إضرام دائم. حبه يحتاج إلى حبنا، وهذا لا يبقى إلا بجهد التعلّم عن سر المسيح وعمق المسيح وجمال المسيح. نحن لسنا ملتزمين فقط العمل الصالح، ولكنا ملتزمون الفهم وإذاعة الإنجيل بإيضاحه للمؤمنين وغير المؤمنين.
يجب أن نتعلّم من أعدائنا الذين يقرعون أبواب الناس ويحاولون إقناعهم بالمبادئ التي يدينون بها. هؤلاء كل منهم فاهم لعقيدته، لا فرق عندهم بين رؤساء الهرطقة والأعضاء العاديين. كلهم يدرس ويتكلم. لماذا يلازم الأرثوذكسي الصمت؟ لأنه لا يقرأ. لا يمكن أن نترك الكنيسة على مجموعة قليلة من الكهنة المثقفين لاهوتيًا. إن كان عندهم مئات من العائلات كيف يجلسون إليها جلسات طويلة للتعليم؟ أرجو الله أن نقوم في بعض المواضع بحركة تبشيرية تؤهل العلمانيين ليبثّوا الدعوة ولا تبقى المعرفة محصورة.
إلى هذا لا نزال في حاجة إلى كهنة أقوياء يحملون المسؤولية كاملة، كهنة قادرين أن يسهروا على الرعية وأن يهيئوا فيها عمّالا علمانيين في حقل الرب. عندنا رعايا شاغرة. مَن ألهب الله صدره وكان مستعدا لاستيعاب ما أمكنه من المعرفة، مَن أحبَّ حتى بذل نفسه في الخدمة فليتقدم ليحمل معنا أثقال الشعب ورسالة تعليمه وخلاصه.
فبعد أن صعد يسوع إلى السماء ألقى علينا مسؤولية التبليغ لإنجيله، مسؤولية شفاء كل ضعف في الشعب وحفظ هذا الشعب بالكلمة والخدمة. إن المسيح حزين لأن بعضًا مِن حقله مهمَل. والفراغ يحتله دائما العدوّ. متى تُلهبهم يا رب بنار محبتك؟ متى نلتمع لتفرح أنت؟
