الضيق الذي حصل بسبب استفانوس كما تقول رسالة اليوم يدلّ على القهر الذي عاناه المسيحيون في أورشليم بعد استشهاد استفانوس اوّل الشهداء. نتيجة هذا الضيق ان تبدد الرسل في فينيقية في الساحل اللبناني اليوم وقبرس وانطاكية، وانحصرت بشارتهم بين اليهود. بعد وقت يسير أخذوا يبشّرون الوثنيّين. من هؤلاء المبشرين كان قومٌ من قبرس وقوم قيراونيون اي من ليبيا. ولمعرفتهم باللغة اليونانيّة أخذوا يبشّرون الأمم وربما اليهود الذين كانوا يتكلّمون اليونانيّة، فآمن عدد كثير بالرب يسوع.

فأرادت الكنيسة في أورشليم ان تشدّدهم بالرب، فأرسلت اليهم برنابا الذي لم يكن من الاثني عشر ويعرفه كتاب اعمال الرسل على أنه “كان رجلا صالحا ممتلئا من الروح والإيمان” وانضمّ الى الربّ جمع كثير.

بالمناسبة لا بدّ من القـول ان الكتاب المدعـوّ “انجيل برنابا” كتاب مـزوّر لم يكتبـه برنـابـا. هذا لم يكتبه مسيحيّ، وفيه أغـلاط كثيرة اي إنّ كاتبـه لم يكـن يعـرف فلسـطيـن، وهو يعــود الى أربعـة قـرون قـبـل اليـوم لا الى عشرين قرنًا حيث كان يعيش برنابا.

“ثم خرج برنابا الى طرسوس في طلب شاول” وهو الاسم اليهودي لبولس. وطرسوس هي المدينة التي وُلد فيها بولس وهي من كيليكيا الواقعة حاليا جنوبي تركيا. “ولما وجده أتى به الى أنطاكية وترددا معا في هذه الكنيسة” اي في الجماعة المسيحية وتنصّر كثيرون. “ودُعي التلاميذ مسيحيين في انطاكية اولا”. ويقول بعض المفسرين ان تسمية مسيحيين أطلقها الخصوم ازدراءً بالمسيحيين، ولكنا تبنّيناها وأحببناها وهي مدعاة لفخرنا. هل من عزة لك ووجود خارج انتسابك الى المسيح؟

“وفي تلك الأيام انحدر من أورشليم أنبياء الى انطاكية”. موهبة النبوءة يذكرها بولس الرسول في غير موضع، ويقول انها موهبة من الروح القدس، فيظهر في هذه الرعية او تلك علماني او اكليريكي ويبلغ الكنيسة إرادة الله منها. هذا هو معنى النبوءة في العهد الجديد.

من هؤلاء الأنبياء رجل مسمى أغابوس “فأنبأ بالروح (القدس) أنْ ستكون مجاعة عظيمة على جميع المسكونة”. عند هذا قرر التلاميذ ان يرسلوا خدمة (إعاشة) الى الإخوة الساكنين أورشليم لأنهم كانوا أفقر المسيحيين آنذاك، “وبعثوا الى الشيوخ بالمعونة على أيدي برنابا وشاول”. وكلنا يعلم ان بولس الرسول كان يلح على الكنائس التي بشّرها ان تفتقد الإخوة في أورشليم، وكان هو يجمع المعونات.

دائما كانت الكنيسة تهتمّ بالفقراء الى جانب صلواتها لأن الإيمان الواحد ينتج عنه المساعدة الأخويّة حتى لا يحسّ أحد بالإهمال. من معه يعطي من ليس معه. هذا من مقتضيات المحبّة. مع مرور الزمان صارت الكنيسة تنشئ مؤسسات للفقراء (مياتم، مستشفيات، مستوصفات) حتى لا يبقى أحد محرومًا من الحب الأخوي.

الكنيسة التي تعيش بقراءة الكلمة والصلاة تحيا ايضًا بالمحبّة المبذولة. ايمان وصلاة ومشاركة، هذه هي الأركان الأساسيّة لحياة الكنيسة. وهذا يقتضي احيـانا بـذلا كبيـرًا وليـس إحـسانـا رمزيـا. أن تـشعـر مع الفقير هو إعطاؤه الدليل على أنه أخ له الكرامة نفسها التي للميسور او الغني. ليس في الكنيسة طبقات بالمعنى المادي. المحتاج يأخذ منك ويبقى في كرامته اذا شعر انه أخوك حقًا.