الصليب شجرة الحياة اذ أتمّ عليها يسوع غلبته للموت. غير أن وصولك الى هذه الحياة يتطلب منك جهدًا كبيرًا طوال حياتك على الأرض، وهذا ما عبّر عنه مرقس الإنجيلي في قراءة اليوم: «من أراد أن يتبعني فليكفُر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». من أراد ان يتبعني تعني أن لك أن تمشي وراء السيد وكلماته، ولك أن ترفض هذه المسيرة. ولكن إن أردت أن تتبعه، تكفر بنفسك ونزواتك وتتخلّى عن شهواتك وتتوب. بلا هذا كله لست على طريق الصليب. لا يبقى لك مِن أنا منغلقة على نفسك، متمسّكة بذاتها.

ثم انت تعرف أن في دنياك صلبانًا كبيرة يجب أن تُصلَب عليها. لك مشاكل في عائلتك أحيانًا. الرجل قد يكون صليبًا لامرأته أو المرأة صليبًا لزوجها. ولك أحيانًا صليب في حياتك المهنيّة وحياتك الوطنيّة. او فيك امراض او تشنّجات. هنا يقول الرب يسوع: «من أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها». أن تُخلّص نفسك من الخطيئة يفترض تعبا كثيرًا ونضالا يوميًا. ليس من يوم واحد في حياتك لا تُواجه إغراء الخطيئة وجاذبيتها.

هذه الأشياء الفاسدة التي تُواجهها يجب ألاّ تدخل الى نفسك، وإذا دخلتْ وجب عليك أن تطردها. لذا قال المخلّص بعد هذا: «مَن أَهلكَ نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها». ان كنتَ مرتبطًا بيسوع وحده تقدر أن تُهلك نفسك، ويعني هنا خطاياك وشهواتك.

ويصل ربّنا بنا الى الذروة عندما يقول: «ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟». ماذا ينفع أن تكسب مالا كثيرًا او نفوذًا كبيرًا ووجاهة، واستمتعتَ بكل الملذّات ولم تجعل مكانًا في قلبك لله؟ هنا يستعمل العالم بمعنى فساد العالم. أنت مدعوّ أن تختار بين ربحك لله وربحك للعالم.

في هذه الحرب الروحية التي تقودها على الشر الآتي إليك او الذي دخل إليك، يجب أن تُدرك أنك تخصّ المسيح، واذا كنت من خاصّته تكون قد بدأت الدخول الى الملكوت على هذه الأرض إذ «ملكوت الله في داخلكم». أنت تُجاهر أنك للمسيح إذا طَلب أحد الناس أن تكشف هويتك. تُجاهر بإيمانك بيسوع وبأن كل فكرك مرتكز عليه.

التعزية التي أعطاها يسوع أحباءه في هذا الخطاب هو أن بعضًا منهم لا يموتون حتى «يروا ملكوت الله قد أتى بقوة». يسوع بشّر بملكوت الله، وهذا الملكوت حلّ بمجيئه لأن تعليمه هو بدء إدخالنا الملكوت وعجائبه ايضًا. ولكن عندما قال: «ملكوت الله سوف يأتي بقوة» قصد موته وقيامته. عندئذٍ تتأسّس الكنيسة وينزل الروح القدس على التلاميذ، وإذا اقتبل الناس المعمودية تكثُر الكنيسة وتعطي جسد المسيح ودمه أي يمتدّ ملكوت الله في النفوس. الكنيسة هي مدخل الى الملكوت بالإنجيل والأسرار المقدسة. ينمو ملكوت الله في الكنيسة ويكتمل في السماء حيث نُعاين الله وجهًا لوجه.