اذا جاءنا الله نهائيًا في المسيح كيف يستمر المسيح فينا بعد انحجابه عن الانظار؟ قيل في الكتاب وهذا ما يؤمن به كل المسيحيين وقيل في الكنيسة وهذا ما تؤمن به الكنائس القديمة بقوة. لكن ان يجيئك السيد بكلمات وبتجلياته في الجماعة (معمودية، ميرون، قرابين) يفترض تفعيل الكلمات، انتقالها الى قلبك فالفاتر قد لا يلتقط شيئًا والمؤمن الحار يتحرك بها بما هو اعمق واعمق. انت تستدخل الكلمة الملهمة او يدخلها الله اليك. تفعيل الثوابت في النفس، في حركات تجديد للقوة الكامنة، ان تجعل الاحداث القديمة غير منطوية ولكن قائمة حقًا فيك وفي الجماعة هذا هو عمل الروح. الا يكون الزمان فاصلاً بينك الآن وبين موت المسيح و نصره واصطلحنا على تسميته التأوين (ولعلها مصدر من آن). ان تردم هوة الزمان، ان تستنزل المسيح من بعد صعوده اليك والى الجماعة هذا هو عمل الروح القدس وتلك هي العنصرة الدائمة التي ذكراها عندنا غدًا.
في الرسالة التي نقرأها غدًا: «لما حل يوم الخمسين (اي اليوم الخمسين بعد الفصح) كان الرسل كلهم معًا في مكان واحد. فحدث بغتة صوت من السماء كصوت ريح شديدة تعصف وملأ كل البيت الذي كانوا جالسين فيه. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار فاستقرت على كل واحد منهم. فامتلأوا كلهم من الروح القدس».
«في مكان واحد» وفي قلب واحد وانتظار واحد تلك هي الكنيسة. يجب ان تكون من الجماعة التي استلمت الكتاب حتى ترث الروح اي يجب ان تتلو الكلمات التي قالها يسوع. يجب ان تملأ النعمة كل البيت لانه قائم على طاعة الكلمة. عند ذاك تستقر عليك نار من السماء وتصبح كل نفسك نارًا. وهذا ما سماه العهد الجديد مواهب الروح. وقد تكون النار فيك دائمة الالتهاب، حريقًا عظيمًا ويرى الناس انك مسلم لكلمة الله وحدها فتؤتيك هي كلمات جديدة اذ تكون قد صارت حية فيك فأحيتك فأحييت انت الآخرين بها.
# # #
لذلك كانت الكنيسة حية بالاحياء. فهي ليست مؤسسة بالمعنى الحقوقي يجلس فيها ناس فوق ويجلس الآخرون عند اقدامهم. ليس احد فوق ولا احد تحت. لذلك الكل يتكلمون بسبب من الروح الذي فيهم. فالكنيسة ليس فيها طبقات. وفي الاصل وحسب تراثنا القديم نختار للكهنوت من ادرك الاستنارة وللاسقفية من بلغ التأله او الالهة (فتح اللام) اي ذلك الذي تنزه عن الهوى والانفعال لذلك ما كانت الاسقفية مؤسسة بمعنى اولئك المرصوفين ليقبلوا الطاعة ولكنهم يتقبلونها لأنهم غدوا ورثة الله في الارض. فلا يبقى الاسقف اسقفا بالمعنى العميق، بالمعنى القيمي الا اذا استقرت النار عليه وفيه واستمع الى «ما يقوله الروح للكنائس» والكنائس هنا لا تعني الجماعات حصرا ولكن الافراد الذين الروح اصطفاهم. وهؤلاء قد يلومون الاسقف باسم قداسة الكنيسة بروح الوداعة والتنزه من الغرض اي بلا استكبار ويكونون قد اعتبروا انه مسيح الله. هو وهم انكشفت لهم حقيقة هذه القطعة التي نرتلها في العنصرة: «ان الروح القدس نور وحياة وينبوع، حي، عقلي، روح حكمة، روح فهم، صالح، مستقيم، عقلي، رئاسي، مطهرللهفوات، إله ومؤله (بكسر اللام) نار من نار بارزه، متكلم، فاعل، مقسم للمواهب…».
«مقسم للمواهب» حقيقة اساسية تدعم التكامل بيننا. فهذا موهوب لخدمة الفقراء او لخدمة العبادات، وذاك للتعليم (النظامي) والآخر للوعظ وذاك للتدبير (الادارة) والآخر لاعمال الرحمة وكلنا للمحبة. فلا يزدرين احد الآخر ولا يعتبر العطاء الذي نزل عليه خيرا من عطية اخرى. واذا قارنا آباء الكنيسة نجد ان هذا تغلب عنده موهبة وعند ذاك موهبة اخرى. واذا رأينا الى اللاهوت مثلا فمن الواضح ان الآباء متفاوتون بعمق الرؤية ومتفاوتون بالذكاء. ولكن من كان دون سواه التماعا تحسه اشد انكبابا على خدمة الفقراء. فيتلاقون جميعا لاقامة الكنيسة الواحدة. وفي هذه الحال يصبح الانسان كلمة.
# # #
على الصعيد اللاهوتي يبدو لي ان الانقسام الذي حصل بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية في موضوع انبثاق الروح (هل هو منبثق من الآب كما يقول الشرقيون ام في الآب والابن كما يقول الغرب) آخذ بالزوال على وجه التقريب بعدما وضعت روما وثيقة عظيمة اقتربت بها كثيرا من الموقف الشرقي. وفي قراءتي ان الارثوذكسية لن تثير الخلاف القديم في المباحثات بين الكنيستين اذا استؤنفت. غير ان ما يعزي ان الروح القدس الذي كان في التعليم الكاثوليكي غير بارز بما فيه الكفاية اخذ يبرز تعليميا وحركة. مهما يكن من امر فالممتلئون من الروح القدس هم واحد في الكنيستين، هنا وهناك القداسة واحدة وان كنا لاهوتيا لا نتكلم اللغة الواحدة في التعبير عنها. وهنا يبدو السؤال: هل يمكن ان تكون القداسة واحدة اذا لم تكن الكنيسة فعليا واحدة. فالقداسة هنا في حياة الكثيرين ساطعة كالشمس. في الواقع الكنيسة الارثوذكسية لكونها غير مركزية التنظيم تعلن كل بطريركية منها قديسيها وهذا ما يحصل دائما في كنائسنا.
هل الروح القدس مرسل الى الذين ليسوا منتمين ظاهرا الى الكنيسة، موضوع غاية في الدقة. لقد اطلقت منذ ثلاثين سنة عبارة «المسيح القائم في ليل الديانات»، أردت بذلك الحقيقة الكامنة فيها بسبب ما سمي في القرن الثاني عندنا «الكلمات المزروعة» أي تلك التي يبعث الله بها في حريته الى هذا او ذاك من الناس. الموقف الذي اقترحه الآن بعد انقضاء هذه السنوات الثلاثين انك ان لم ترفض الانجيل بصريح قوله او لم تناقضه تكون كلماته قد تسربت اليك ولا تكون مقولة فيك قولاً. غير اني آثر في ما أتمتمه أخيرًا ان أقول اني أحجم عن تقويم (او تقييم) الديانات في منطوقها ولكني لا استطيع ان أحجم عن رؤية القوم في طهارة سلوكهم واذا كانت الطهارة بارزة جدًا تكون قد أتت من روح القداسة اذ الجهد البشري وحده ليس مصدر نقاوة. طبعًا ليس عند المسيحيين حرج في قولهم ان الكنيسة أوسع من الجماعة المسيحية القائمة. عندما يقول الحلاج بعدما قطعت يداه وقد أدركته الصلاة، عندما يقول: «ركعتان في العشق لا يسوغ فيهما الوضوء الا بالدم» لا يهمني فقه الوضوء ولكني أرى ان الروح نزل عليه بالشهادة وانضم الى مصلوبية يسوع.
# # #
أمام هذا الذي تراءى لنا استحضر دعاء لقديس بيزنطي هو سمعان اللاهوتي الحديث قال: «تعال، ايها النور الحق، تعال أيها الحياة الابدية، تعال يا ايها السر الخفي، تعال يا من لا يقال ولا يدرك، تعال ايها النور الذي لا يعتريه مساء، تعال ايها الرجاء الذي يشاء خلاص الكل، تعال يا قيامة الموتى. تعال يا من يبقى ثابتًا وهو في كل ساعة يتحرك الآن نحو الثاوين في الجحيم… اسمك لن يقوله أحد… تعال يا من أحبته نفسي ولا تزال تحبه. تعال وحدك اليّ وحدي. تعال يا من فصلتني عن الكل وجعلتني وحيدًا في هذا العالم وصرت رغبة فيّ وأردت ان أريدك. تعال يا من لا يبلغ اليه».
وبأشياء كهذه غنينا الروح والمنكسرة قلوبهم عاشوا منه على رجاء التهاب الكون به حتى تغدو هذه الدنيا نورًا محضًا.
