بعد أن أنهى بولس الرسول كلامه اللاهوتي العظيم في الرسالة الى أهل أفسس، وصل الى الناحية السلوكية وحذّر المؤمنين من الكلام الباطل حتى وصل الى القول ان المسيحيين هم نور في الرب وحثّهم على أن يسلكوا كأولاد النور وأوضح أنهم يصيرون هكذا اذا امتلأوا من الروح القدس مصدر كل صلاح وبرّ وحق.

ينتج من توصيته هذه أن يختبروا ما هو مرضيّ للرب بتركهم أعمال الظلمة، وليس فقط هذا بل يحضّهم على أن يوبّخوا هذه الأعمال عند إخوتهم المسيحيين لتكون الكنيسة كلها جميلة. الأعمال المظلمة نميل الى إخفائها. لذلك يحثّ بولس المؤمنين أن يُظهروا أعمال النور.

وبعد تأكيده النور، يستشهد بنشيد كان يُستعمل في العبادة وهو «استيقِظْ ايها النائم وقُم من بين الأموات فيضيء لك المسيح». يستنتج مِن كون المسيح نور العالم فيدعو الرسول المسيحيين أن يسلكوا لا كجهلاء بل حكماء لأن الأيام شريرة.

هذه كانت التوصية العامة أن تتمسكوا بحكمة الله («كونوا حكماء كالحيّات»، هذا كان قول الرب). ولكن أن نسلك كما يريد الرب يتطلب أن نفهم ما مشيئة الرب. مشيئته هي أن نحفظ وصاياه، أن نتشبّه به، أن نسعى أن نكون مثله.

هنا يعطي مثلا عن السلوك المسيحيّ لا يتضمن كل شيء ولكن يُقاس عليه فيقول: «لا تسكروا بالخمر التي فيها الدعارة»، والمقصود أن السُكر يوصل الى رفض العفّة، وهذا ما يسمّيه الرسول هنا الدعارة. والقاعدة في موضوع الخمر هي أن يتخذها الانسان باعتدال. ففي كثير من حضارات الشعوب المسيحية هي شراب عاديّ، ولكن اذا وقع الإنسان في السُكر يكون قد خالف الوصية. «السكّيرون لا يرثون ملكوت الله» (1كورنثوس 6: 10). إن هدوء العقل الذي يفقده السكّير أساسيّ عند المؤمنين. الشراهة والسُكر واحد.

ضد السُكر يقدّم بولس الامتلاء بالروح القدس الذي شرطه العفّة. فاذا امتلأتم من الروح القدس تصبحون قادرين أن «تُكلّموا بعضُكم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغاني روحية». هنا نفهم أن العبادة المسيحية (الطقوس) في عهد بولس كانت تتضمن أناشيد وليس فقط قراءات.

هناك مَن اعترض من الرهبان بعد زمن بولس على الترنيم باستعمال الألحان. ولكن الكنيسة لم تُعِرْ هذا الاعتراض على الموسيقى أهمية، وثبتت الموسيقى في الشرق دائما وفي الغرب حتى القرن الثاني عشر بلا أدوات موسيقية، ورأت الكنيسة الشرقية أن الترنيم بالصوت البشريّ كافٍ ليرفع النفس الى الله.