غدًا الاثنين نرجو الله أن يدخلنا الصيام بنعمته إذ لا يصوم الإنسان إلا بقوّتها فيذكّرنا بولس بأن «قد تناهى الليل واقترب النهار». النور في أسابيع الجهاد الآتي سينسكب علينا ونسير خطوة خطوة الى ضياء الفصح ونتجلّى بالرضاء في حضرة الله. في الرسالة يدعونا بولس الى مكافحة الشهوات المؤذية، وفي الإنجيل حديث أول عن الغفران وحديث آخر عن مكافحة شهوة المال الرهيبة.

لماذا الكلام عن الغفران؟ لأنك تصوم مع الآخر ومن أجل الآخر. ليس موضوع الصيام في حقيقته أن تأكل أو لا تأكل. الموضوع أن تحب. دائما الآخر قبلك. انت متطهّر من أجله. فإذا أنت غفرت له ما أساء إليك يندفع الى محبة الرب له فيقبل الرب وربما يقبلك ايضا في غفران مماثل. مرادك أن تشفي الذي أساء اليك وألا تنتقم.

إن أساء إليك أخوك يكون منتقما لإساءة أصابته. يحسّ أنه يدفع عن نفسه جرحا جرحه. إذا لم تغفر للآخر تكون حافظا عليه شرّه ومتمسكا بكبريائك المصدومة. اما إذا غفرت تكون قد تجاوزت هذه الصدمة. اترك كل شيء لله فهو يشفيك ويشفي الآخر.

هكذا تكون حرا من نفسك ومن وطأة البغض عليك. كذلك أنت حرّ من صومك اذ لا ينبغي أن تُحسّ أنك كسبت على الله حقا يسجله لصالحك. لذلك يقول لك السيد: «إذا صُمت فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفية وأبوك الذي في الخفية يجازيك علانية». العلاقة بينك وبين الله كلها في القلب وفيه بدايات السماوات، والعالم الخارجي السطحي ليس بشيء. الإمساك مجرّد ترويض لنفس تطلب وحدتها مع الرب.

الوحدة العميقة مع الرب يرى إنجيل متى أنها الحرية من وطأة المال علينا اذ يقول: «لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض… لكن اكنزوا لكم كنوزا في السماء». لا شيء يجرّدنا من حريتنا الداخلية كما يجرّدنا المال: الطعام ايضا يملكنا حتى الاستعباد. ماذا ينفعك الصيام اذا استولت عليك شهوة الملك؟

وينتهي الفصل الإنجيلي بقول يسوع: «حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم». سيادة الله على القلب لا تتّفق مع سيادة المال عليه. اسعَ اذًا ألاّ يكون كنزُك في المال اذ يكون عندئذ سيدا على قلبك.

ادخلْ اذًا صيامك ولا تشبع لأن الطعام ولو صياميا لا يكون حياتك. العفة هي قناعتك أنه يُستغنى عن كل شيء. التحرر من كل ما تحسبه ضروريا هو الخطوة الأولى الى صعودك سُلّم الفضائل. اذ ذاك، تكون قد قبلت سيادة الله عليك. صلِّ كثيرا حتى لا يسيطر عليك شيء. هذا أول تمرين لك في هذا الصيام العظيم.