هذا الأحد الذي بعد عيد رفع الصليب يعطينا المعنى العميق لسر الصليب. أن تحمل صليبك اي أتعابك ومشقاتك ماشيا وراء يسوع، أن تكفر بأنانيتك او مركزية الأنا هذا هو السر. أن تخلّص نفسك، وهذه غاية موت يسوع، يعني ان «تُهلكها» اي ان تجاهد جهادا كبيرا، كليا حتى لا تعلق فيك خطيئة. في الحقيقة تُهلك الأنا الطامعة، العابدة نفسها، المستلذّة بما عندها.

          لماذا تفعل هذا، ما مكافأة هذا العناء؟ خلاص النفس. ويذهب الإنجيل إلى ان الإنسان يريد كل شيء في هـذه الدنيا، ان يربح العالم وكل ما فيه من لذات، مـن مال، من مجد. هذا ما يسمى «العالم» بلغة الكتاب. يقول: إن ربحك كل هذا لا يساوي أن تخسر نفسك اي أن تخسر حياتك الروحية وأن يكون المسيح ساكنا فيـك. المسيح أهم من كل ما في دنياك. هذه اشياء مادية وعابرة او هي تدغـدغ كبرياءك وحبك للمجد. بهذا تنتفخ، وفي الحقيقة تبقى فارغا. انت إنْ احببت نفسك حقا وجدّيا تريدها مليئة ولا يملأها فرحا سوى المسيح.

          المسيح ملء وجودك ولكن المسيح له ثمن في دنيا مغرية ومشوّقة. الخطيئة ساحرة للوهلة الاولى. أن تتركها اذا أتتك التجربة يبدو لك شيئا مزعجا. تظن للوهلة الاولى انك ستصير مجرّدا من جمالات العالم، من شهواته. هذا صحيح اذا كانت الشهوات مؤذية، قائمة على إشباع البطن وإذكاء المجد الباطل. ولكن على قدر اقترابك من يسوع تحسّ ان الفرح به هو اعظم من كل لذات العالم، ان لا معادلة بين ما تخسر ومن تربح لأن في المسيح اللطف والتعزية والفرح والوداعة اي الأشياء العميقة والتي تبقى فيك إلى الأبد.

          عطايا المسيح اليك تجعلك قويا فيه، ثابتا، وتشعر بأن ما يعطيه ملء وليس شيئا جزئيا او تافها او مهترئا.

          واذا سكنَتْ فيك كلمة المسيح وبِتَّ مغتذيا بها وناميا بها تحس بغناك الحقيقي وباستغنائك عن الأشياء العابرة والسخيفة.

          انا ما قلت ان يسوع يطلب اليك الا تأكل ولا تشرب ولا تتزوج ولا تحصل على الأموال الضرورية لمعيشتك. هذه اذا أخذتها باعتدال وضمن شريعته لا تبعدك عنه ولكنك تطوعها له. المهم ان تعرف ان السيد هو قائدك في كل شيء وهو الميزان لكل شيء. تأخذ انت من هذا العالم شرط ان يأخذك المسيح اولا وان تعتبره موجِّها لك في ما تأخذ من هذا العالم وفي ما لا تأخذ.

          الصليب ليس فقط إشارة صليب ولا هو مجرد ايقونة. هذا رمز لما هو أعمق. قلبك هو المصلوب. قلبك هو الذي تبيد فيه الشهوات المظلمة التي تكبّلك وتستعبدك. أن تتحرر منها غير ممكن الا اذا جعلت المسيح مَلِكا على قلبك. عندئذ يهون الجهاد وتستطيب الجهادَ طريقا إلى حبيبك يسوع. عندئذ لا تكون فقط حاملا على كتفيك الصليب. تكون مكلَّلا بالقيامة.