«طريق الموت وطريق الحياة طريق واحدة إذ خطوناها بمحبّة» (ريسه ماريتان). إمرأة في ذرى الأوجاع كتبت هذا وقد أدركت أنّ «كلّ خليقة تنتقل من موت عبر موت إلى الحياة الأبديّة».

الألم، إذا ارتضيناه، طاعةً واسلامًا، هو رياضتنا على الصبر والتواضع وهما مرقاتنا إلى الحق. ذلك أن الحقّ هو في المواجهة. وغير الحقّ هو هروب أو نزهة كما يقول يوسف حبشي الأشقر في روايته الأخيرة «أربعة أفراس حمر». أما قال أرباب الحياة الروحيّة قديمًا أنّ الخطيئة هي في الوهم، في ذلك السراب الذي نعدو وراءه فلا نرتوي. تلهينا الظلال ونستبدل ظلاً بظلّ إذا مللنا. هل العبث هو في الحياة نفسها أم في هذه الشباح التي تتراقص أمامنا؟ ألسنا كافرين بالأمور اليقينيّة لكوننا ساعين فقط إلى تلك الأشباح وهي في دوام الفرار؟ وإذا كان ما نسعى إليه صائرًا إلى العدم فنحن أنفسنا في دوران وإمّحاء، من تثائب إلى تثائب في نزهة الهروب.

هذا لا يعني أن أهل الحقّ مغمورون بنور وهّاج. ذلك لأنّ «النور في الظلمة يضيء». «كنجم يرسل أشعّته من مسافة تفوق التصوّر». تقول أيضًا ريسه ماريتان، «ذلك لأنّه يجب أن نتسلّق، بخطى موت، سلم الحياة». لا يعرف الصابرون هذه الواحة الكسول. هم ليسوا معمّدين بفيض نور لا ينقطع. المحنة تلدهم يومًا بعد يوم، في أنّات مخاض مرير. وفي قلب المحنة، لا خارجها، يطلّون على هذا السلام الذي لا يضع حدًّا للْمُلمِّات ولا يخفف وطأة اليأس ولكنّه يعايشها جميعًا حتّى تتجرّد الطمأنينة من مرافقة الشدّة يوم تطلّ علينا رحمة الموت.

والألم منهل، رائده المؤمن ليس لأنّه يستلذّ الألم استلذاذًا مرضيًّا بل لأنّ الألم، في واقعنا، يغلّف الحقيقة، تلك التي ليست علمًا وحفظًا بل التصاقًا بالوجود، بهذا الوجود الذي ليس من طبيعته أن يتلاشى كالفيئ المائل.

الصبر، عند المؤمن، مفتاح المعرفة إذًا، هذه الصامدة. التطهّر الداخلّي سبيل لاكتناه الحق، إعراض عن الوهم، هروب من الهروب. أمام تأليق الخيال وجموحه وجذبه تجربةُ المؤمن أن يلهو هو أيضًا بالسراب. خلاصه في أن يستمدّ حكمه ومواقفه لا من عتمة الأشباح في تراكمها بل من هذا القبس الذي ينير سبيله من عل. الظلام المحيط بالمؤمن كثيرًا ما يكون كثيفًا. ولكن في قلبه هذا اليقين الذي لا ينزع منه الفجر بازغ من العتمة نفسها وأنّ كلّ ألوان الموت ودرجاته تؤدّي، عاجلاً أم آجلاً، إلى الحياة.