قسوت عليه كثيرا في هذه الزاوية. وددت اليوم ان ألاطفه. الموقفان لا يتناقضان. مرة قبل أربعين سنة كنت أقتبل اعترافا من احد المؤمنين. قال لي انا لست حسنا كما قلت لي. قلت له انا اعرف ذلك ولكني اردت تشجيعك لأهون عليك الخروج من الخطيئة.


لو أتيح لي التحدّث عن بلدنا بأقرب ما أكون من الموضوعية لقلت ان ما يمتاز به هو الكياسة في التعامل. القاعدة الإسلامية: «لا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي أحسن» (العنكبوت، 46) كنت أتمنى ان يتبع الأكثرون هذه التوصية. التعدد عندنا يفرض المسالمة. دائما اذكر الإنجاز العظيم الذي قام به المغفور له السفير عادل اسماعيل في نشره الوثائق التي كان يرسلها القناصل الأجانب الى وزارات الخارجية عندهم وهو كتاب يقع في اكثر من ثلاثين جزءًا. نشر فقط الرسائل التي كان يبعث بها هؤلاء الموظّفون وبيّنت قراءتها ان ما من حادثة دموية جرت عندنا بين الطوائف الا وسببها الدول الأجنبيّة. وعادل اسماعيل لم يعلّق. حسبه كانت النصوص اي ان قناعة اللبنانيين في ان دياناتنا ومذاهبنا قائمة الى يوم القيامة وان كان الناس مقتنعون ان الجماعات الدينية قائمة لتبقى. الكياسة كانت قناعة.


انت تتعرف بالمعاملة على شخص. تربطك به منفعة عمل. بعد اول لقاء او لقاءين تدعوه لتناول الطعام عندك. اللبناني مضياف وهذا لا تجده على ارطلاق في البلدان الأجنبيّة. بينك وبين الغريب عندنا خبز وملح. التعاطف عن طريق مائدة مشتركة هو التلاقي في هذا المشرق. المسيحيون تقوم ديانتهم في عمقها على القداس الذي يفهمونه مائدة تنزل عليهم من السماء وتقيم ارتباطا بينهم وبين ربهم من جهة وفي ما بينهم من جهة ويحسبون انهم بهذا التحاب يصيرون امة مقدسة اي امة تأتيهم قداستهم من الله. المسلمون يعتقدون ان لهم مائدة تنزل عليهم من السماء تجعلهم في عيد لأولهم ولآخرهم. أليس الغريب هو الذي تستضيفه أخا لك في الله ولو لم تشعر بهذا في صورة واضحة. أليس الحب من الله؟

# #
#


العائلة عندنا حب ومن فككها يعتبر مخالفا لقواعد إلهية. هي حتى الآن وبعامة محفوظة ومكان السلامة والتراحم كما يقول القرآن والأولاد فيها يضربون الانغلاق الذي يوتر احيانا العلاقة بين الوالدين. هي نظام جماعي يسودها إخلاص الواحد للآخر. هي مسؤولية الكبير للصغير والصغير للأكبر اي انها تقوم على التضامن والتكافل. تصيبها الخطيئة احيانا ولكن تسودها التوبة في أحايين كثيرة. واذا انحرف احدهم يعود الى بيته لأن مطلب النفس الاستقرار في تلاقي القلوب وفيها تعطي وتأخذ واذا ما جفّ قلب تدخل اليه الطراوة. واذا فهمت التربية تهرب من الغنج لأنك تريد ان يتقوّم الآخر.


صحيح ان الحزن يغلبك احيانا ولا سيما عند حدوث موت. غير اننا بعامة شعب فرح مقبل على الحياة ومسراتها ونعنى بالحياة وبحفظها الى درجة الخوف من انتقاصها. النزهة عندنا امر أساس كذلك الطرب وسائر انواع الغناء. عندنا كثافة التغني للخروج من ضيق وكأننا نريد ان نعيش ابدا. ربما لهذا عظمت الأغنية في هذه الحرب الأهلية الشرسة مع اننا لا نجهل ان «كل نفس ذائقة الموت». لقد كثر المطربون في هذه التجربة التي جربنا بها ولكنا نحس ان السلام هو مستقرنا الحقيقي وتعزيتنا الكبيرة. ويلفتك ان اللبناني يشعر انه مقصّر ان اهمل تقديم التعازي الى أصدقائه والى عائلات ليست منه قريبة جدا. هذه عادات ينبغي ان نحافظ عليها ان ابتغينا الا تجف قلوبنا. الى هذا ممارسة التهانئ في الأعراس او عند نيل شهادة علمية. التعازي والتعانئ صور عن المحبات المتبادلة. هذا مألوفنا في التلاقي البشري. هذه هي القربى عندنا.


الذين ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية لا يعرفون اننا كنا شعبا مستقيما في المعاملات. انا عشت فترة كانوا يستدينون مبالغ كبيرة دون كتابة سند ويردونها في الوقت المحدد. واذكر في هذا وفي غيره ان الصدق كان سائدا وسقط بعض الصدق لما عظمت الثروات قبيل الحرب وأثناءها. هل نحن عائدون الى الصدق؟ الكثيرون منا يعيشون في هذا الأمل.

# #
#


كذلك عاش بعض منا فترات كنا نؤمن فيها بالدولة ولا سيما بالقضاء. بسبب من التصاقي المهني بدنيا الحقوق كنت أقرأ الأحكام التي لم تكن دون الأحكام الفرنسية علما وكنت أعرف ان محامي الجزاء مولعون باللغة العربية كما كنت أعرف ان الرشوة يفيد منها بعض من صغار الموظفين وان كثيرا من كبارهم كانوا يكتفون بمعاشهم. ليس من شعب سيء في جوهره.


اللبنانيون على اختلاف عقائدياتهم السياسيّة يحبون بلدهم ويعتبرونه اجمل بلد في العالم. لنقل انه من أجمل بلاد العالم. يذكرون كثيرا اذا هاجروا وينفعون عيالهم التي لم تغترب. شعب عاطفي جملةً. وهذا جميل اذا قرن بالعقل. مواطنون لنا كثيرون باعوا أراضيهم ليعلموا أولادهم. عند بعض من الذين لم يتعلموا تعلق بأن يعلوهم اولادهم قدرا اجتماعيا وازدهارا. ما أعرفه في بلدان الغرب ان الولد يتخذ مهنة ابيه عادة. نحن لا نسأل عن التسلسل المهني. هاجسنا لذريتنا ان تصبو الى الأحسن.


بعضنا يحب متاع الدنيا، اهل الدنيا كذلك في كل صوب. ولكنا الى هذا نحب العطاء ولو موسميا او ظرفيا. ولكنا نتحسس لحاجات خيرية في كل الطوائف. في هذا لا نفرق. من المسلمين من يتبرع لبناء كنيسة ومن المسيحيين من يتبرّع لمشاريع إسلامية. تفسيري لذلك اننا محبون للجماعات الدينية الأخرى.


منذ أربعين سنة تقريبا طلب اليّ مسلمون من بلاد بعلبك يبغون بناء مسجد. من ملابسهم عرفتهم فقراء ولكني أدركت توا انهم يحبون ان أشاركهم عاطفتهم. عرفت تقواهم وبساطتهم وانهم سيفخرون بمعبد لله يكون اجمل بناء عندهم في القرية ويجدون هويتهم فيه. وفهمت انك لا تستطيع ان تخذل الفقراء لأنهم عيال الله.


من كل هذه المقاربات وانا لائم شعبي على عيوبه أقول اننا نستلم من الرب إحسانه الينا ونحوله الى الآخرين ليفرحوا. والفرح هو الذي يصنع شعبنا.