لم أكن أكتب في نشرة رعائية عن آلام صربيا لو لم يوجَّه من بعض المرجعيات انتقاد على كنيستنا في هذا المجال كأن الأرثوذكسية هي التي أشعلت نيران الحرب, أو كأنها هي التي هجّرت الألبان المسلمين. الألبان الذين تركوا إقليم كوسوفو من بعد بدء العمليات الحربية كانوا في الأقل ضعفي الذين غادروا قبل القصف. ثم الحكم اليوغسلافي شيء, والشعب الصربي الأرثوذكسي شيء آخر. والبطريرك والمجمع المقدس الصربي شجبوا غير مرة موقف الرئيس اليوغسلافي. هذا شأن الكنيسة الأرثوذكسية في بلاده. وهي تستطيع أن تراقب الوضع هناك أكثر منا.
ليس من تقاليد كنيستنا وهي غير مسيَّسة أن تتخذ موقفا سياسيا لا في بلدنا ولا خارج بلدنا. التفويض الذي لنا من المسيح لا يسمح بذلك. وعمليا لا نستطيع أن ننشئ مرقبا لكل أحوال العالم. نحن لسنا مفكرين سياسيين. ولكنا نقدر أن نكون ويجب أن نكون مع المقهورين أيا كان دينهم. والصرب مقهورون مثل الألبان وتدمَّر بيوتهم وجسورهم والمدنيون الأبرياء منهم والمؤسسات المدنية ويحلّ الخراب الشامل في بلادهم. وإذا كان التعاطف يذهب إلى كل مظلوم, فنحن مع الصرب والمدنيين الألبان, ونحن مع كل قتيل وجريح وشريد أيا كان عرقه وأية كانت ديانته.
يحق لنا بل واجبنا الأخوي أن نصلي من أجل الأرثوذكسيين الصرب, وقد عمَّمتُ ذلك على كنائس هذه الأبرشية. غير إني في كل قداس إلهي أصلي جهازا من أجل الألبان المسلمين الذين تألموا من هذه الحالة. وقد قامت الكنيسة اليونانية بأعمال خيرية هناك وتبرعت الكنيسة الأرثوذكسية الألبانية – وهي فقيرة – بالطعام ومواد الإغاثة للمسلمين الألبان.
نحن نفهم, لكوننا عانينا في بلدنا أخطار التقسيم, أن يرفض الصرب انسلاخ إقليم كوسوفو عن صربيا. هذا من شأنه أن يؤجج الصراعات الدينية في تلك البلاد. وما يجعلنا أكثر فهما لهذا الموقف أن في الإقليم 135 كنيسة ودير أرثوذكسي لا يمكن أن تُترك لحراسة غير الأرثوذكسيين. إن التعايش الإسلامي – الأرثوذكسي في يوغسلافيا هو الموقف السلمي الوحيد الذي يضمن استمرار كل فريق على معتقده ولغته وتقاليده. وما يحكى الآن إن حكما ذاتيا للإقليم سوف تعترف به يوغسلافيا ويضمن هذا الحكم الذاتي وجود قوات دولية مختارة من الدول التي لم تشترك بقصف يوغسلافيا. فمن الطبيعي أن الدول التي آذت صربيا ودمرتها لن تكون حيادية هناك.
لا يريدون صربيا الكبرى ولكن لو انسلخ إقليم كوسوفو عن صربيا لا بد له أن ينضم إلى ألبانيا إذ ليس عنده مقومات الحياة. عند انضمامه إلى ألبانيا فتتشكل عند ذاك ألبانيا الكبرى. أن تحجيم صربيا وأن يُمنع عنها مصادر الحياة الاقتصادية في كوسوفو يعني إضعافها. حتى هذه الساعة أُضعفت صربيا كثيرا. هل هذا هو العدل في المنطقة, وهل هذا هو التوازن بين المجموعات العرقية المختلفة؟ ثم ألا يعني استمرار الحرب محاولة لاحتواء روسيا وشرذمة الشعوب السلافية. من حقنا أن ندعو الله أن يساعد الشعوب الأرثوذكسية لكي تخرج من فقرها وتنهض لتسهم في بناء إنسانية واحدة حرة غير مستسلمة للأجنبي الذي يؤكد أن له مصالح هناك.
أطلب إليكم أن ترفعوا الدعاء ليُحلّ الله رضاه على تلك المنطقة وشعوبها لكي ترقى وتشبع وتقرر حياتها بالاستقلال عن القوى الجبارة المستكبرة, حتى إذا قويَتْ هذه الشعوب تتمكن من مدّ غيرها الأنوار الصاعدة من كنيستنا التي تتمنى شيئا واحدا وهي أن يعيش فقراؤها في الحرية وتاليا في مساواة الأمم الأخرى.
