هو ذكرى يوحنا الإنجيلي المسمى اللاهوتي لأنه غاص على ألوهية المسيح كما لم يغص سواه بعد ان تحدث الإنجيليون متى ومرقس ولوقا، بنوع اخص، عن بشرية المسيح (حوادث سيرته والعجائب والأمثال). هو يوحنا بن زبدي اخو يعقوب وكانا من قرية بيت صيدا في الجليل وقد دعاهما يسوع اليه فيما كانا في السفينة مع ابيهما فتركاه والشباك والتحقا بالمعلم. وقد دعى نفسه في الانجيل “التلميذ الذي كان يسوع يحبه” واتكأ هو على صدر المعلم في العشاء السري.
كان السيد يصطحبه مع بطرس ويعقوب في غير مناسبة ولاسيما إلى جبل التجلي حيث عاينوا مجده. وعاين المجد نفسه لما كان مع والدة الإله عند قدمي المصلوب وهناك قال يسوع لأمه: “هوذا ابنك” ثم قال للتلميذ: “هذه امك”. ونفهم من هذا الكلام ان مريم أمست منذ هذا الوقت أُمًّا لكل تلميذ حبيب.
ودخل مع بطرس إلى قبر المعلم فرأى الأكفان موضوعة وحدها. وبعد القيامة بفترة طويلة اي بعد رقاد والدة الإله التي كانت تعيش في بيته ذهب إلى آسيا الصغرى (تركيا الحالية) واستقر في أفسس حيث قاوم حركات ضالة ومنها الحركة اليهودية المتأثرة بالفلسفة اليونانية. وذاع صيته فاستحضره الإمبراطور دوميتانوس وحقق معه وألقاه في قدر مملوء زيتا مغليا الا انه خرج سالما من القدر فنفاه إلى جزيرة بطمس ونشر الايمان فيها ووضع فيها سفر الرؤيا ثم كتب انجيله وعاد إلى أفسس إلى ان رقد في الرب وبلغ من العمر ما يزيد على المئة. ما يؤكد الرواية الانجيلية التي تتحدث في آخر الانجيل انه تبع المعلم فيما كان سائرا مع بطرس بعد القيامة وجاء فيها: “فالتفت بطرس ونظر التلميذ الذي كان يسوع يتبعه وهو ايضا الذي اتكأ على صدره وقت العشاء وقال يا سيد من هو الذي يسلمك. فلما رأى بطرس هذا قال ليسوع يا رب وهذا ما له. قال له يسوع إن شئتُ ان يبقى حتى اجيء فماذا لك” (يوحنا 21: 20-23).
الحقيقة ان يوحنا باقٍ بانجيليه حتى يومنا هذا فإنه قال في المسيح اقوالا الهية خلابة بدءا من المطلع: “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وإلها كان الكلمة”. ثم عندك الحديث مع نيقوديمس والحديث مع السامرية والخطاب عن الخبز السماوي والخطاب عن الراعي الصالح وخطبة الوداع المؤلفة من اكثر من ثلاثة إصحاحات نقرأها جميعا في القراءة الاولى من القراءات الاثنتي عشرة يوم الخميس العظيم مساء. لا يسمو معنى على المعاني الموجودة في الانجيل الرابع الذي كتبه يوحنا وليس مثله ما يقنعك بألوهية السيد. صحّ انه ينبغي ان نقرأ العهد الجديد ولكن الذروة في يوحنا. كل كلمة منه تكشف لنا بهاء المسيح. كل كلمة منه تظهر لك ان المسيح والآب واحد وأنت واصل إلى الحياة الأبدية بالمسيح وانه هو الذي يسكن فيك بالروح القدس ويعمدك بالروح والنار. كلمات لاهبة تحييك من العدم وتنقلك إلى السماء ولو كنت لا تزال على الارض.
إلى هذا الانجيل وضع يوحنا ثلاث رسائل أُولاها وهي الكبرى تحدثك عن المحبة وذروة الكلام فيها ان الله محبة.
كل شيء في هذا الانجيل يختصر بكلام السيد: “أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم” أي حتى الموت. ومحبة الإخوة تبدو ثمرة لمحبة الله ايانا.
ويقول تراثنا أن أهل أفسس كانوا يقولون ليوحنا: “لماذا تردد لنا: أحبوا بعضكم بعضا” فكان يجيب “اني لم أتعلم شيئا آخر لما كنت متكئا على صدر المعلم”. المسيحية كلها في كلمة المحبة. وهكذا يكون الإنجيل الرابع أعطانا جوهر المسيحية فان أردتم دخول هذا الجوهر فطالعوا هذا الكتاب باستمرار.
وحتى نشكر لله عطاء محبته بيسوع أردت أن يطلق اسم هذا الإنجيلي على الكنيسة الجديدة التي أنشأها أهل كفرحاتا (الكورة) في بلدتهم وجاءت روعة في الهندسة المعمارية البيزنطية وهي على وشك الانتهاء. وهي الوحيدة في الكرسي الأنطاكي التي تحمل هذا الاسم. هذا كان تأكيدا مني ومن المؤمنين على ان خلاصنا ان نسير على دروب المحبة ليسوع المسيح المخلص.
