نشأ لبنان الحاضر حلما عند أهله في خطفة من الزمن بين إصرار فرنسا على سوريا الواحدة. نشأ سريعا جدا اذ لم يذكره اتفاق سايكس بيكو ولا معاهدة فرساي ولكنه نشأ وكان المخاض عسيرا ولكنه نشأ من بطن هذه الأرض ليسكن سماء القيم وأفراح الحضارات المتلاقية هنا منذ سومر وبابل وكنعان والعرب ممسوحا بزيت البهجة ومسلمًا لله ليقول كلمات ما قيلت معا قبل هذه الولادة الغريبة التكون، هذا المرسل الى العرب ليقيموا في الدنيا ومع الدنيا.
ما أعظمه تحديا للمتخاصمين على هذا الكوكب اذ يقول على طريقته انه يمكنه ان يجتمعوا وان يغنوا معا أنشودة الحب الإنساني الممدود في الأقطار بعد ان نصب الله بنفسه الأرز على جبالنا كما يقول المزمور 103. كيف تنقض ما رفعه الله ليخترق السحاب ويطمح في السماء؟
ما الغرابة في ذلك فليس من وطن مرسومة حدوده امام عرش الله! كل الأوطان مصنوعة. كلها ضم وفرز بعد ابتلاع. ما فرنسا سوى تحقيق لشراسة سيد النطاق الباريسي بكسر الأقاليم وإزالة اللغات المحليّة. ما ألمانيا سوى قرار من بسمارك. ما الباكستان سوى تقسيم بريطانيا العظمى للهند؟ هل من فرق تكويني من مسلمي الهند وهم مئة مليون ومسلمي الباكستان وبنغلادش؟ بلجيكا دولة مركبة من عنصرين كلاهما كاثوليكي ويشتهيان الانفصال.
شاء الموارنة هذا البلد منذ غورو ويوسف الحويك والأرثوذكس والمسلمون آنذاك ما شاؤوه حتى ارتضاه الجميع على مراحل انتهت بالطائف والدستور الجديد. أرادوه لهم جميعًا وهم متّفقون على حدوده الآن وعلمه وتنوعهم وتعدّدهم واختلافهم في ايلافهم هذا الحليف او ذاك او هذا السند او ذاك واتفاقهم على ان يقولوا لا لإسرائيل فيفكروا من جديد بشأن البلد اذا وقعت مع اسرائيل سوريا معاهدة سلم.
قال لي رجل دولة كبير من عندنا في مقابلة له مع المغفور له حافظ الأسد ان هذا قال له بعد ان تنضم موريتانيا الي سوريا سوف أفكّر بضمّ لبنان. الضم مُرجأ وكأنّ الحب عذري. هذه وديعة حافظ الأسد ونحن له شاكرون. هذه وحدها كافية لتمطر عليه الرحمات. لذلك لا أفهم قول اي لبنان نريد. فحكم الدول ان تدول والأحلاف أن تتبدّل. قال لي فلسطيني مسيحي كبير: ستزول اسرائيل لأنها ستنفجر من الداخل. «لست نبيا ولا ابن نبي». وكتب المناضل الفلسطيني العظيم ادوارد سعيد المدفون قرب بيتي في برمانا: انا أتمنى ان تصير فلسطين دولة واحدة لليهود والعرب. هنا ايضا لست أعلم ولكني أعلم كما يعلم المؤمن اننا لن نترك القدس لأن قلوبنا هناك. سترحل اميركاعن العراق بعيد الانتخابات الأميركيّة الآتية. هل بدأ الغزل بين فرنسا والشقيقة الجارة ام غدا حبا شرعيا؟
# #
#
هل الحلم اذا رعاه الله يبقى تحرّك قلوب ام هو وعد بأننا قادرون على استنزال البركات؟ يهمّنا جميعا ان ترتاح سوريا الى قوّتها ودعوتها الأبدية وهي مذكورة على الأقل مرتين في العهد الجديد ونحن مذكورون أكثر من سبعين مرة في العهدين بما كان فينا من عظمة وما كان من هوان.
لم يبقَ بعد ان تقادم الزمان علينا وعلى الجارة ان تخشى مما اعتبرته في عقود غابرات منا تهديدا على لأمنها. وحتى يطمئن قلبها أقول ليست لنا قدرة على أصغر موآمرة. غير اننا نؤمن ان الحب يستدل عليه او يبرهن عليه بعد ان تنشب خلافات بين زوجين او حتى اختلاف.
ليس لنا من مطلب الا ان تعترف سوريا صادقة اننا وطن نهائي وهي فد رعت الطائف. أمانينا أن تعترف بأن لبنان العميق يحبها والحدود ان رسمت علامة على ان الانسجام لم يبقَ هزيلا. لست أظن انها تشتهينا في احضانها فالاحتضان خطر او حزين. نؤثر ان نكون في قلبها لأنه أطهر من الحضن. الحدود المرسومة طمأنينة ولكن حدود القلوب غير مرسومة لأن القلوب لا تعرف الخرائط. والقلب لا ينثلم اذا تحقق الإخلاص.
وفي دستورنا كلام على الأمة اللبنانية. انا لا أتحدّث عن قوميّة ولكني أتحدّث عن مسحة عربيّة، عن ثقافة عربيّة، عن لغة لنا ليس لسحرها مثيل. هذا يكفي للشعور والتعاون والاستقامة في التعامل من اجل خيرك وخير الجار بحيث تشتهي له ما تشتهيه لنفسك واذا كنت طيبا تؤثره على نفسك ولكن في حريته وحريتك لأن الحرية لا تنقسم. وهذه البقعة من الهلال الخصيب انطلقت منها القضيّة العربية وهي باتت عليها وتغذيها وتذكّر بها وتقدّمها غذاء للعالمين.
وبعد أن برهنت أوربا الغربيّة على قدرتها على التلاحم بقي شيئان التلاحم والسيادات الوطنيّة او القوميّة (قولوا ما شئتم). وغدت الحروب عندهم غير معقولة في الحساب البشري وزالت أحلام الضمّ. وانت تموت حبّا بلا ضم. واذا نزل كلامي على الأرض فأشياؤنا الأرضيّة كثيرة ونتبادلها وندخل مسعى التبادل في كل شيء ما عدا الكرامة التي هي اعتراف بنفسك ومواجهة ومواجهة وهي في اللغة ان يكون الوجه الى الوجه حتى اقتراب القبلة وبعد القبلات يأتي تنظيم العيش في ما وهبنا الله من رزقه وفي ما تتبادل العقول النيرة والمتواضعة بآن. ولبنان مرغم على التواضع ولا يستطيع ان يستكبر ومن لا يستكبر لا يطمع الى ان يرتب الله شعوبه ترتيبا يوافقها وتتوافق الشعوب ان هي شفت.
عندنا كلمتان في الفلسفة اليونانيّة تدلان على العقل . عندنا كلمة إدراك وهو يتعلّق بشؤون الدنيا وعندنا كلمة تعني الإلهي فينا وهو أعلى ذروة في الفهم فاذا منحك الله الاثنين تصير انسانا سماويا لا يعلوه الا الملائكة التي لا تعرف الغرائز ولا أطماع فيها. متى يصير لبنان وسوريا ملاكين يتغنيان بالله!
هل تساعدنا سوريا على إطفاء نار الفتن المتأججة عندنا؟ هل تقف دون انهيار الهيكل اللبناني فخرابه خطر على الجميع. انا عشت زمانا كان وطننا هيكلا نعبد فيه الله ونجلّ الإنسان. في سلك الحقوق الذي انتظمت فيه ردها من الزمن كان لنا قضاء نزيه وعالم. كانت تصدر من محاكمنا أحكام ليست دون محاكم فرنسا جلال وحكمة ومعرفة. نحن عرفنا الطهارة او الكثير منها في كل قطاعات حياتنا الوطنيّة. ورأيت الاستقامة في اعمالنا التجارية والصدق في التلاقي. لم يكن لبنان فاسدا في الإدارة بصورة مريعة. كان في البلد بذور الإخلاص. وما كنا نصدّق ان مجالاته كلها محكوم عليها بالفساد.
لبنان له من ربه وعد بالقيامات.كذلك عرفت سوريا تمارس فيها الديموقرطية ممارسة مرضية وبلدا يعج فيه الفكر الخلاق وكنا نحن واختنا الكبرى متشابهين كثيرا. فلماذا البرقع الذي يحول دون رؤيتك الوجه الوضاء؟ اكشفوا عن الوجوه الأقنعة واستلذوها حتى لا يغرى احد بالأجنبي. «وتعرفون الحق والحق يحرركم». لماذا لا نصبح امّتين بارّتين لندخل من هنا باب السماء معا؟ الاتهمنا سماء نحيا بركاتها على هذه الأرض؟ نحن ننتظر ومن انتظر لا ييأس ويبحر الى أقاصي الأرض ليعلم البشريّة الحرف الذي انبثق في اوغاريت شمالي اللاذقية وتبنيناه وصدّرته جبيل. والأبجدية هجأناها في البلدين في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وبحروفنا أبدعت اليونان الفلسفة.
نحن قادرون ان نتفلسف ونبدع ونطعم العالم من عقلنا المتأله ونتلاقى بالعمل وكل نوع من أنواع الخلق وراء حدود مرسومة على الخرائط والأرض وبلا حدود محفورة في القلوب.
