من ناحية العبادات نتهيأ لعيد رفع الصليب بالأناشيد المعروفة بالكاطافاسيات في صلاة السَحَر، وذلك قبل حلول العيد بأسابيع، وبقراءة انجيلية السبت قبل العيد، وقراءة اخرى الأحد قبل العيد، هذا الذي نحن فيه.
التلاوة مأخوذة من كلام الرب في الإنجيل الرابع(يوحنا 3: 13-17) ونستهلها بقوله: «لم يصعد أحد إلى السماء الا الذي نزل من السماء…» اي انه صعد بالصليب. هنا يوحنا الرسول يختزل القيامة والصعود بحدث الصلب الذي هو عنده مكان التجلّي والمجد. قوة المسيح ظهرت بموته أي بانتصاره على الموت وعلى الخطيئة وهذا لينعكس فينا ونذوقه كما ذاقه هو. نحن نعيش موت السيد وقيامته في سر المعمودية أولاً وفي سر الشكر (القرابين) ثانيًا.
غاية الصلب «لكي لا يهلك كل من يؤمن به». الخلاص لا يقوم بتصديق كل شيء ولا يكتمل بالإيمان بالله فهذا موجود عند غيرنا. الخلاص هو الإيمان بأن الله أحبَّ العالم حتى بذل ابنه الوحيد. لقد أحبنا الله بالمسيح أي بتجسده وصلبه. هكذا تفجرت المحبة الإلهية. محبة الله ظهرت وشاهدناها ونعلنها وننفّذها حسب قوله: «مَن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني» (إنجيل السبت قبل العيد). ما قَبِلَه السيد في نفسه وجسده اي إماتة الخطيئة لا ينفعنا بشيء ما لم نختبره في حياتنا اليومية. فَنُميتُ خطيئنا الشخصية ونحيا بالتوبة.
فالمسيح الذي هو الحياة الأبدية «أنا هو الطريق والحق والحياة» يبث حياته في نفوسنا وأجسادنا فيصير كل منا مسيح الله بالنعمة، مُسمّرين عليه، مُندمجين به.
الرسالة النابعة من هذا ان الله «لم يرسل ابنه الوحيد إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص العالم».
المسيح لم يأتِ ليضرب ويعاقب. هذا كان معروفًا قديمًا. جاء ليقول ان الله لا يخيف لأنه أب، وان نظام العلاقة بيننا وبينه هو انه يحبنا كأولاد أحباء ونثق به أبًا عطوفا. يريدنا أن نخلص اي ان نحيا حياة حقيقية قائمة على كلمته وحنانه.
هذه الشراكة بيننا وبينه ثمرة العهد الجديد بدمه. ولعلمنا بأنه أَحبَّنا اولاً بتنا قادرين أن نستجيب لحبه بحب. الصليب كان أداة تمزيق يسوع حتى يرفع عنا كل تمزيق، ليصير فينا حلاوة. الحلاوة تبدأ بأن نَقبل المسيح مخلّصًا وحيدًا، وعند قبولنا بهذا تصير كل نفس عروسا للسيد وتعايشه بدفء عطائه الإلهي.
ابتهاجنا ليس بالنيران والأسهم النارية. نحن أبناء الفرح الأعمق الذي أُوتيناه من أنّ «ليس إله مثل إلهنا». الإله الذي نحن نعرفه إله المحبة التي لا حدّ لها. استجابتنا له أن نؤمن به، ان نتكل عليه، ان نلجأ اليه باستمرار لمعرفتنا انه الحبيب الحبيب.
