بولس، في رحلته الأخيرة الى فلسطين آتيا من أوربا، اشتهى أن يصل الى اورشليم قبل العنصرة اليهودية، وكان راكبا البحر، وكان بإمكانه أن يجعل أفسس محطة له. لكنه آثر أن يتوقف في ميليتس أي الى جنوب أفسس.
وهناك استدعى قسوس الكنيسة التي في أفسس. هؤلاء كانوا كهنة على الأقل. ولكنه سمّاهم في خطابه اليهم «أساقفة» لأن الكلمتين قسّ وأسقف كانتا مترادفتين. هذا لا يعني أن الكنيسة لم يكن عليها أسقف بالمعنى الذي أخذ ينكشف لنا في أواخر القرن الأول. الوظائف كانت مختلفة ولو كان القسّ يُسمّى أحيانًا أُسقفًا كما في هذا الموضع من أعمال الرسل.
عندما اجتمعوا اليه حذّرهم من القائمين بأمور ملتوية. فتلك المنطقة كان فيها يهود خطرون، وكان فيها أصحاب ما نسميه الغنوصة (العُرفان بالعربية) يُشوّهون التعاليم المسيحية ويحاولون غزو الفكر المسيحي، وبعضٌ من هؤلاء كانوا أعضاء في الكنيسة. من تعمّد لم يكن ليتحرر بسهولة من الفكر المغلوط الذي يسبّ فيه. اليوم تجد مسيحيين عندهم أفكار تناقض دستور الإيمان. اذا سألتم ناسا عما اذا كان المسيح إلهًا وإنسان معا اي قائما في الوجود قبل ان يولد من مريم قد لا يكون جوابهم واضحًا.
السهر على كنيسة الله عنى في هذا الخطاب محاربة البدع (الهرطقات) وحفظ الناس في استقامة الرأي. هذه تبقى وظيفة الكهنة وتنقضُ وجود كهنةٍ غير متعلمين اللاهوت الأساسي.
ذكّر الرسول كهنة أفسس انه اهتم برعيّتهم ثلاث سنين. كان إنسانا لا يتعب من البشارة ولا يملّ. ثم ذكرهم أنه «لم يشتهِ فضة أحدٍ او ذهبه» وأنه كان يؤمن دخْله من عمل الخيام بيديه. يعطي الكلمة ولا يأخذ شيئا في المقابل، وهمّه أن يساعد الضعفاء بالقليل الذي كان يكسبه، وكان يذكر دائما بواجب المشاركة. المحبة المسيحية تعبر عن نفسها بالعطاء المادّي، والذي لا يقوم به تبدو محبته كلاما.
وعلى هذا الأساس ذكرَ كلمةً للرب يسوع غير واردة في الأناجيل: «العطاء هو مغبوط أكثر من الأخذ». من يأخذ قد يعرفُ أن المعطي يحبّه بسبب يسوع وقد لا يعرف. ولكن مَن أعطى صادقا وتواضَعَ يُحبّ الذين يعطيهم بالمسيح. ثم الا يعني المال شيئا للكاهن أساسي لرسالته.
«ولما قال هذا جثا على ركبتيه». لا شك أنه شكر لله لقاءه بأهل أفسس وأهل ميليتس، وطلب الى الرب أن يُثبّتهم بالإيمان وأن يحفظهم من الشرير. وعرف أنه ذاهب الى الآلام في فلسطين، وهناك صدر الحُكم بسجنه، واستأنفه إلى قيصر.
إنه هو الذي كَتَبَ: «فإنْ عِشْنا فللرب نَحيا، وإنْ مُتْنا فللرب نموت، فإن عشنا او متنا فللرب نحن».
