هذه الكلمات ليست توجيهًا وانتم الأعلمون، ولكنها لجوء مني الى ما عندكم من حكمة ومعرفة وحب لهذا البلد. أرجو أن تكونوا محطّ رجائنا في بلد مكسور ولا يبدو فيه منقذ كبير او كتلة منقذين ولئن كنت قد قرأت «انتم مخلّصون على الرجاء». سأغوص اذًا على الرجاء وأخاطبكم علّكم تسمعون.

أراكم في مناصبكم اي قائمين على مسؤولياتكم. أراكم من خارج الدائرة السياسة ولو كان كل لبناني مسيّسا بمقدار. غير أن المراكز التي تشغلون لا تتطلب اندراجا في هذا الحزب او ذاك لأنكم إن أخلصتم للمدينة او للقرية التي أتت بكم تحتاجون أولاً الى ان تحبوها والمحبة روح الإدارة او أصلها. ولا ينبغي أن تتفرقوا في موضوع الماء لأن كل إنسان يشرب عند عطشه، ولا ينبغي أن تتفرقوا في موضوع الإضاءة لأن احدا منكم لا يستطيع أن يعمل في الظلام. ولن تختلفوا في مجال الطرقات اذ لا يريد احد أن تنكسر سيارته، هذا اذا كان الطريق بلديا.

هذه أمور تتعلق بالحياة اليومية اي بالحياة الحقيقية ولا تحتمل الجدل السياسي. ربما دخلت المنفعة الخاصة أحيانا ورسم الطريق باتجاه لا بآخر. هنا لكم أن تتحصّنوا بالتقنية وبمصلحة الضيعة، ربما بهذا السلوك الحسن تربّون المتسيّسين على الطريقة اللبنانية اي المتحزّبين. هنا أخشى على البعض -دون اتّهام- لأني لم أقرأ اللوائح ولأني من حيّ صغير من إحدى مدن لبنان، قلت أخشى أن يحسّ العضو البلدي بضرورة ردّ الجميل لمن أتى به على قاعدة سياسية. انت لست راجعا الى حزب ولو كنت عضوًا فيه اذا جلست على كرسي العضوية باستقامة وليس في ظهرك التواء. انت خادم لا للفئة التي انتخبتك ولكن لمجموعة المدينة او القرية اذ لمّا قبلت انتخابك قبلت التزامك ايضًا. والأولون في مجالس الشعوب هم الأسرع في خدمتها.

مررت بالكورة الاثنين الماضي ثم عرّجت عل المتن وكان في يدي كتاب والقراءة عادة لي اذا كنت راكبا. فرميت كتابي الى يساري على المقعد اذ رأيت غابات جميلة ارتاح اليها نظري ودخل إليّ بعض الفرح. وفيما أنا أنظر الى الخضراء رأيت منازل جميلة مختلفة الألوان من الخارج وعلى سطوحها آجرّ وكان يغلب عليها في مطلع شبابي طابع الفقر. هذا كله ما قامت به الدولة. قام به الناس. قلّما ينبثق الجمال من الحكام إلا اذا أرادوه سمة لمنازلهم الخاصة. ولكني أعرف غير قرية في اوربا تأمر السلطات المواطنين فيها بالجمال. وسررت كثيرا لما لحظت ان شيئا من هذا يُطبّق الآن في لبنان.
# #
#
عودًا الى الشجر، فيما كنت أُقلّب احد أسفار العهد القديم قرأت أن الملك الأشوري الذي كان يحكمنا أخذ يقطع أرز لبنان. العداوة للشجرة اذًا قديمة. ثم قرأت عند الذين أرّخوا لطرابلس قبل ألف عام أنها مؤلفة من مدينة برّية ومدينة بحرية تفصلهما بساتين البرتقال. وعشنا جميعا هذا المنظر الى أن غزت بنايات الإسمنت هذه البساتين فصرتَ تتنزه على الطرق الثلاث اليوم التي تفصل المدينتين ولا تشم رائحة زهر البرتقال، اي حصل اعتداء على كيانك البيولوجي وربما على كيانك الشعري إن كنت شاعرا.

قرأت بسرور خبر تأليف جمعية تعنى بالتشجير. هذه اذًا جمعية تُذكّرنا بإنسانيتنا السليمة المشتهاة. وفهمت على قلة معرفتي بالتكنولوجيا أن الطوافات منها ما يقوم بهذا العمل بسرعة الى وسائل أخرى يعرفها أهل الاختصاص. اذا قررتم ايها السادة الأعضاء ألاّ تعطوا رخصة بناء الا اذا أمرتم بزرع عدد من الأشجار تحدّدونه وفق مساحة المبنى، تكونون قد مهّدتم عودة الجمال الى منطقتكم وتحسين الطقس وتكوين مياه جوفية وتصنيع الخشب والورق وما الى ذلك من غنى.

والمجلس البلدي لا يضطره شيء الى الانقسام اذ في المبدأ ينبغي ازدهار المنطقة الموكلة اليه، والازدهار معروفة مواضيعة ومعروفة مقاييسه. وهذه الرعاية يريدها المواطنون لكونهم يَنمون صحيا وأَمنا وفرحا بمكافحة التلوّث وتأمين النظافة. يحسّون بهذه النشاطات إحساسا شخصيا وعائليا ويُدركون أن الضرائب البلدية موظّفة لخيرهم المباشر في حين أن ليس عندهم الاندفاع نفسه لشؤون الدولة لأن الأقاليم الأخرى بعيدة وقد تهملها الدولة في حين أنهم يظنون -عن خطأ أحيانا- أن المجلس البلدي منهم وإليهم ويسهر أعضاؤه على عائلاتهم وأصدقائهم وتاليا يسهرون على مصالح الجميع.

لست أظن أني مبالغ في الغنائية او حالم بلا حدود. طبعا هذا يتطلّب أن تطالب وأن تتابع من تعرفهم في المجلس البلدي وأن تؤلّف حركات مطلبية على صعيد الضيعة او المدينة لا تأخذ طابعا سياسيا. البلدية حكم مصغّر ولكنه حكم فعّال إن توافرت المعرفة والحكمة والصدق.

والحاجات تُظهر نفسها. كنت اقترحت على رئيس إحدى البلديات في قرية جميلة مشروع تجميل يتضمّن تحسينا للبيوت الناقصة معالم الجمال لأنني كنت مقتنعا أن هذا العمل الهيّن نسبيا كان من شأنه أن يزيل الحزن عن قلوب الناس من هذا القبيل. هذا لأؤكّد فقط أن الناس مقتنعون بالجمال لأنهم مقتنعون بالفرح.

عودة ثانية الى الشجر بعد أن سألني أحد الأصدقاء: لو كنت ما زلت مدنيا وتمنّيت المشاركة في إدارة البلد أية وزارة كنت طلبت؟ أجبته توّا وزارة الزراعة. منذ فترة قريبة فرحت بشهوتي هذه القديمة بعد أن رأيت النخيل يتصاعد هنا وثمّة وهذه هي شجرتي المفضّلة. ألا يرى المجلس البلدي أنه يكفيه تحرّك خيال او قلب نحو النخلة حتى يزرعها طالما زعم واحد أن غابات النخيل تدفع ناسا الى مشاعر قد تصير فيهم ينابيع إبداع.

أهمية المجلس البلدي أنك تجد فيه مجموعة بشر تُلهمهم المحبة والحكمة والمعرفة وأنهم قادرون ألاّ يُدخلوا الخصومة اليهم لأنهم اختاروا حُبّ مطرح صغيرا كان أَم كبيرا على نزواتهم. المجلس البلدي، اذا أُتي به بتزكية او منافسة، بعد انعقاده مكانُ تسابقٍ في الحسنى ولقاء تقارُب بين أناس يتوقون الى الصلاح لتوقهم الى الحُسن والنظافة وقيام مشاريع والى الإيمان بأن الجنّات ممكن حدوثها في الأرض وأن زهو الجنّات ممكن أن يدفع الناس الى زهو القلوب.

فلنبدأ من هذه النقطة بلا منازعات فردية لعل كل بلدية تقتدي بالأخرى ولعل الدولة تتربّى على أن تتوق الحسن او الأحسن. هذا البلد في حاجة الى عقلية مجلسٍ بلديّ كما وصفناه هنا لتسكت السياسة الكيديّة وتبرز سياسة المدينة الفاضلة كما سمّاها أفلاطون وأُغسطينوس والفارابي ويصبح لبنان بعد ذلك مدينة الله.