بعد يومين تعيّد الأمّة للمعلّم الذي أنقذنا من الجهل والأميّة ووضع فينا العطش الى النور. لن أتكلّم الآن على حقوقه والإهمال الذي يُهمَل به. البلد الحضاري لا ينسى حملة الفكر والقائمين بالتربية لاسيّما الذين استطاعوا أن ينشئوك على الحق بكتاب وسلوك، بالأسوة الحسنة وكنت من أبنائهم في عمق وجدانك وعقلك بعد أن ولدتك أمّك. هذه بنوّة ثانية لا يفوقها الا الحريّة الروحيّة التي تجعلك من أبناء الله.
من الخلابة التي كانت تنزل عليّ في هذا المجال هو تساؤلي عن حجم المعرفة عند المعلم حتى أدركت أنّ في هذا بذلًا كبيرًا، ومما كان يؤلمني بعد مرتبة من البلوغ فهمي أنّ الرجل مغبون الى حدّ كبير مع أنّه يكدّ. في مطلع شبابي كنت أنقل الى بيت أستاذ أخذت عنه العربيّة مسابقات رفاقي مكدّسة وكان أستاذي رقيق البنية تسكنه علّة في الجهاز الهضمي. كنت أكبّر جهده وما كان يرضى الّا أن أنقل اليه أنا الأوراق لحسبانه أنّي أفهم القواعد وأعرب إعرابًا صحيحًا وما كنت جاهلًا للأدب ويؤثرني على الذين كانت الفرنسيّة تستغرقهم وما كان لهم حس بجمال لغتنا او عبقريّتها. كنت أشعر بجهده وفقره معا وانكبابه الدائم على اللغة.
دائما كان يستوقفني صبر المعلّم على الكسالى وعلى أهل الضجّة والقليلي التهذيب وعلى أهل التصرّف بنكاية. هؤلاء كانوا يدّعون أنهم ضحايا وكانوا في الحقيقة جلّادين لأهل العقل من أقرانهم وعلى هذا كان يسكب علينا المعرفة. كان دائما بيننا قوم لا يستلذّون المعرفة ويتساءلون لماذا يحلّ بهم العقاب. في كثرة الأحوال كان العقاب تأديبيًا ورجاء التحسّن عند التلميذ، ولكن الجهلة بيننا كانوا يشعرون بأنه انتقام.
ربّما كان هذا هكذا في أحيان اذ يقول لنا علماء النفس أن من بين مَن يختارون مهنة التعليم ساديّون تطلب نفوسهم معاقبة التلميذ. أنا لست أخصائيا من علماء النفس لأناقش هذا الأمر ولكنك تشعر احيانا ان ما كان المعلّم يسمّيه تأديبًا كان ثأرًا. لذلك لست أقدر ان أجعل من كلّ معلّم قديسًا. غير ان المهنة بحدّ نفسها التماس للحقيقة وإعطاؤها، ويخطئ من يخطئ كما يعلو فيها من يعلو.
# #
#
كان ثمة مواد لا أحبها بدءًا من الحساب والرياضيات ووصولا الى العلوم الطبيعيّة . كل ما كان متصلا بالحواس ما كنت أفهمه. قيل لي، فيما بعد، انّ هناك من يميل الى الآداب وهناك من يميل الى الرياضيات حتى لاحظت ان بعضًا من رفاقي وبعضا من كبار العارفين ملمّون بكلّ شيء حتى درجة البراعة وكان الموهوبون للرياضيّات يفتخرون أمامنا بذكائهم حتى أدركت أنك إن كنت تعرف قواعد اللغة، أيّة لغة فأنت دقيق الفهم كما من أحبّ الحساب والفيزياء. أظنّ ببساطة أن هذا كلّه اختلاف مواهب وانّ الفطنة هي إيّاها في هذا الحقل وذاك. وفي كلّ هذا شيء من الجهد. لا إبداع يطغى عليك وعلى من تربّي بلا جهد كبير .
هذا يشبه لقاء النعمة والجهاد كما علّمت في الكنيسة عندما باشرنا الصوم الاثنين الماضي. انت لا تستطيع ان يكون صيامك عظيمًا، عميقًا بلا هبة تنزل عليك من فوق وبلا جهاد كبير لتثمر فيك النعمة. أظنّ أن كل معرفة تتكوّن هكذا وأن دور المعلّم قد يبعث فيك شغفًا بمادة كنت تتجاهل فعلها فيك وكذلك يبعث فيك المعلّم جهدًا تؤتاه من الشغف. ومن هذه الزاوية أمكن القول إنه يجعلك ذلك الإنسان الذي ما كنت تتصوّره.
الذكاء الفطري وحده لا ينفع. يسحرك احيانا ذكي مفرط جاهل. هذا يحفزك على الدراسة ولا يحفزه هو اذ ليس عنده وسائل التنقيب. لذلك كان الجهل قتالا. ولذلك كانت مسؤولية الموهوبين والدول عظيمة في نشر المعرفة. ماذا تنفع أرض غير مفلوحة؟
# #
#
أريد هنا ان آتي بخبرتي استاذًا في الجامعة. بدأ هذا في أواسط الستينات لما أسند لي عميد كليّة التربية في الجامعة اللبنانية مادة الحضارة العربيّة. كان عليّ ان أعدّ كلّ الدراسة خلقًا جديدًا اذ لم اعثر في اية لغة معروفة عندنا في لبنان على كتاب واحد يتبسط في هذه المادة. كان طبعا كتاب جرجي زيدان عن التمدّن الإسلامي ولكني وددت أن أعطي شيئًا جديدًا موافقًا لتذوّقي للعروبة والإسلام كما كنت أقرأهما، وهذا أرهقني كثيرًا اذ كنت أقضي سبع ساعات إعدادًا لحصّة واحدة.
كان حبّي يزداد لمضمون التعليم كلّما اكتشفته وكلّما كشفته اذ كنت أسعى أن يذوق طلّابي مواضيعي كما كنت أنا أذوقها. بدأت أنا الكاهن بما اعتبره طلّابي صدمة اذ أوّل ما كنت أقوله في كلّ صفّ في أوّل لحظة من التدريس: «سأطلب اليكم أوراقًا او دفترًا لتتلقنوا ما ألقيه. كذلك أطلب ان يحمل كلّ منكم مصحفًا صغير الحجم، الشاب في جيبه والصبيّة في حقيبتها لأنّ القرآن سوف يكون لكلّ منكم مصدرًا من مصادر الحياة العربيّة». كانوا يتعجّبون بذكري لأيّة آية وأقول رقمها ورقم السورة. دهشتهم، على ما أظنّ، كانت في أنّ هذا الكاهن قد درس ديانة ليست ديانته. وكانت دهشتهم تعظم كلّما أحسّوا أن كاهنًا محسوبًا آنذاك على لبنانيّة ضيّقة ومسيحيّة متعصبة يستطيع ان يتكلّم عن العرب والإسلام بحبّ ولا يحاول إطلاقًا أن يقارن بين الديانتين اذ لم يكن مجال للمقارنة. فالأستاذ لم يكن معلّما للمسيحيّة ولكنه كان معلّمًا للإسلام كما الإسلام يتحدّث عن نفسه.
لعلّ هذا الذي كان نادرًا في تقدير طلابي ما كان هو الأهمّ. الأهمّ أنّهم عرفوا أني كنت أحبّهم. فأخذني بعضهم مرشدًا روحيًا ورأوا ليس فقط ان التحيز الديني لا أثر له فيّ بل ذهلوا ان تقديرًا خاصًا احيانًا يظهر من هذا الإكليركي لطلاب مسلمين بدوا متفوّقين اذ ظهر منهم بعد الدراسة شعراء.
الأستاذ يكوّنه تلاميذه كما هو يكوّنهم. هذه مسيرة باتجاهين. شكرت لله هذه السنوات التي قضيتها مع هؤلاء الأحبّة اذ تابعت بعد أن غادرت الجامعة سعيي الى هذه الحضارة التي كنّا نكتشف جمالها أنا وتلاميذي.
أمنيتي بعدما مارست التعليم أن يؤمن المسؤولون في الدولة أنّ المعلّم كاد أن يكون رسولا وأنّ لبنان ليس في جباله وسهوله وحسب ولكنّه في عقله، فإن لم يصبح مملكة العقل في دنيا العرب وربّما إزاء العالم لا تجمّله الطبيعة فيه.
