فيما يتقدم المؤمن على طريق التقشف بعد انتصاف الصوم، رأت الكنيسة ان تُظهر اليوم في هذا الأحد الرابع صورة ناسك عظيم، يوحنا السلّمي، وقد سُمّي كذلك لكونه صاحب كتاب سلّم الفضائل. توفي الرجل في بدء القرن السابع وكان قد تولى رئاسة دير سيناء. كان يعرف النفس البشرية كأنه عالم نفساني عصري ولا شيء يدلّ انه دخل جامعة. يحمل تراث الذين سبقوه ولكنه يلتمع احيانا فيقول مثلا: “من هو يا ترى الراهب الأمين الحكيم؟ هو من يحفظ غيرته متقده الى النهاية ولا يزال حتى الممات يزيد كل يوم على ناره نارا وعلى اضطرامه اضطراما وعلى شوقه شوقا وعلى همته ونشاطه همة ونشاطا دون انقطاع”. الراهب في سكون بمعنى انه اطفأ الشهوة ولكنه، ضمن هذا السكون، نار محبة لله وللإخوة. وهذا ما يطلبه الله الى كل مؤمن وليس فقط الى الرهبان.
الايقونة اخذت هذا الكتاب الحاوي ثلاثين مقالة، وصورت السلم وعلى رأسها المسيح المبارك، وكل مقالة تمثل درجة من السلم. وانت ترى راهبا يتسلق درجتين او اربعا او عشرين وما فوق ويشده الشيطان اليه فيسقط، ولكنك ترى من يصل الى المسيح.
غاية المؤلف ان يدخلك الكفاح العملي اي اقتناء الفضائل لأنها هي المنطلق الى التأمل في الأشياء الروحية. عن طريق الفضائل الإنجيلية اذا اكتسبتها تميز بين ما يجيء اليك من الفكر الإلهي وما يجيء من الشيطان او من طبيعتك البشرية وحدها. تنفيذ الوصايا يعطيك علما بما يخلّص نفسك.
هذا الكتاب وان كان اصلا موجها الى الرهبان انما ينفع الناس جميعا. من لا يهمه ان يقرأ المقالة الخامسة عن التوبة الدائمة او عن الحقد والكذب او عن الطهارة او عن حب المال او عن عدم الحس؟ في حديثه عن عدم الحس يقول عن المصاب به: “يصيح لقد اذنبت ويهرع الى فعل ذلك الذنب عينه… يتفلسف في ذكر الموت ويتصرف كأنه غير مائت… يمدح الصلاة ويهرب منها”. هذا أدب روحي كبير. تأملوا في هذا: “ان كان وجه حبيبنا يغيرنا بجملتنا جليا ويجعلنا مشرقين فرحين فاقدي الحزن فكيف بوجه السيد اذا أتى الى نفس طاهرة وسكن فيها بحال غير منظور؟”.
اذا اردنا ان نتابع هذا الصوم بجدية لا بد لنا ان نفهم انه، قبل كل شيء، زمان توبة. والتوبة ان ترفض ما لا يرضى عنه المسيح وان تحب ما يحب. لا بد ان نفهم هذا ان كل الصلوات وكل الأصوام لها غاية واحدة ان نتحول الى وجه يسوع حتى نعشقه، حتى ترتسم علينا انوار وجهه بصورة ان من رآنا نتصرف يدرك للتو اننا انما تصرفنا بقوة يسوع واننا من أصحابه.
هذه التوبة هي الفصح، لأنها هي القيامة من موت الخطيئة. هذا الصوم ارادته الكنيسة مشوارا الى الفصح وتشربا لنوره يوما بعد يوم. ان لم نفعل هذا يبقى الصيام حِمية عن طعام اي شيئا تافها. العبادات كلها تذكير بالمعلّم الإلهي. ولكن ان لم نأخذ علمه اي ان لم نحول الإنجيل الى سلوك، يبقى الإنجيل كتابا مثل الكتب.
فيما ينعطف الصوم الى نهايته، آن الوقت ان نستعد لاستقبال الأسبوع العظيم في كل جمالاته حتى يجدنا السيد طاهرين عند فجر الفصح.
