يذكر الإنجيل الصلب فالإنزال عن الصليب فالدفن ويتحدث عن القبر الفارغ من الجسد ويقول ان الحجر قد دُحرج وان المخلص شوهد بعد هذا مرات عديدة وتكلم مع التلاميذ. اذًا “انه لقد قام”. يؤكد الكتاب انه مات وان العسكر تأكدوا من موته. كذلك اصحابه والتلاميذ والنسوة حاملات الطيب. وعندنا على ما ورد عند يوحنا أثر الحربة في جنبه والمسامير في يديه. اي عندنا هذا التأكيد الكبير ان الإنسان الذي ظهر للتلاميذ والإخوة هو ذاته الذي عُلق على الخشبة. عندنا انتقال من حالة الميت الى حالة الحي المتحرك المتكلم المشارك الرسل طعامهم على بحيرة طبرية والمرافق تلميذي عمواس الى قريتهم والكاسر لهما الخبز.
عندنا ما هو قبل الدفن وما بعد الدفن ما لا يدع مجالا للشك في ان هذا الذي دُفن هو اياه الذي قام وجعل توما يلمسه ويفتش جنبه ويوآكل التلاميذ. هذا التحول من حالة ميت حقيقي الى حالة حي حقيقي هو ما سمّاه الكتاب قيامة. القيامة اذًا واقعة وقعت. وهذا القائم لم يشاهده فقط الأحد عشر وحاملات الطيب. ثم “ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة اخ اكثرهم باقٍ الى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل اجمعين. وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي انا -اي بولس- (1كورنثوس 15: 6-8). عندنا اذًا اكثر من خمسمئة شاهدٍ رأوا الرب حيًا. ونقل الينا بولس شهادتهم وهو وضع هذا في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس المكتوبة حوالى 11 سنة بعد قيامة المخلص، الأمر الذي يجعلها حدثا تاريخيا مؤكدا.
صح اننا نؤمن بأن القيامة حدثت، ولكنا نؤمن بها بناء على شهادة شهود عيان. انها اذًا ليست مجرد رواية اتصلت بالاوائل بمجرد نقل متواتر. ودُوّن الحدث في الأناجيل الأربعة واعمال الرسل وكتابات بولس، ولا نجد حدثا في التاريخ اقوى منها من حيث عدد الشهود. من هذا ننطلق لنؤكد ايماننا بها.
اما كيف كان جسد الرب؟ لم يكن شبحا وقد جاء انه تكلم وان به جراحا وانه اشترك في موائد. عندنا جسم حقيقي. ولكن هل صار على نوعية تختلف عن اجسادنا الترابية هذه؟ يقول الكتاب انه دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة اي لم يكن امام يسوع حواجز تحول دون حضوره حيثما شاء، بمعنى ان يسوع الظافر لا يخضع لقوانين التنقل في المكان. هو لا ينتقل. انه يحضر. لقد تجاوز بقيامته نواميس الطبيعة التي تجعلنا نحن خاضعين للمدى.
عندنا شيء من توضيح هذا في ما قاله الرسول عن اجسادنا الممجَّدة اي التي نكون عليها بعد القيامة العامة. هذه الأجساد كانت فاسدة هنا. يقول بولس عنها: “يقوم الموتى عادمي فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لا بد ان يلبس عدم فساد، وهذا المائت ان يلبس عدم موت” (1كورنثوس 15: 15-53). بقي يسوع في عدم فساد كما كان، ولكن جسده “لبس عدم موت” اي لبس الخلود. وهذا ما يؤكده الرسول في موضع آخر: “ان كنا قد متنا مع المسيح نؤمن اننا سنحيا ايضا معه. عالمين ان المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت ايضا. لا يسود عليه الموت بعد” (رومية 5: 8 و9).
لذلك لا محل للسؤال: اين المسيح الآن؟ لا محل لهذا السؤال لأن السيد ليس خاضعا لقوانين الزمان والمكان. هو جالس عن يمين الآب، وليس لنا ان نهتم بحدود مكانية له. نحن نحيا مع يسوع ونحيا به ومن أجله. وقيامته فعالة بكلمته والكنيسة وسر القرابين المقدسة والشهداء وحياة القديسين المغبوطين وحياة المؤمنين كل على قدر طاعته للآب. القيامة مشعة ونفرح بها في العيد وفي كل يوم، وهي التي تنقذنا من الخطيئة ومن الموت لنكون في اليوم الاخير على صورة المخلّص الظافر.
