عندما نلحظ ان فترة عيد ارتفاع الصليب خمسة فصول إنجيلية منذ السبت الذي يسبقه إلى الأحد الذي يليه لا بد ان نفهم ان الكنيسة أولت أهمية فائقة لهذا العيد. وقراءة اليوم ختامة القراءات. فحواها كيف ينعكس الصليب في حياتي، كيف أكون بعد المسيح مصلوبا. توا يبدأ الفصل بقول الرب: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. ان أكون مصلوبا تعني انني سمعت صوت الرب يدعوني، وهذا يتطلب مني تلبية. كيف تكون هذه التلبية؟ بدؤها ان اكفر بنفسي اي ان استغني عن كل ما يستعبدني لأصير عبدا لله. فأنا عبد ان كبلني ما في يديّ (مالي) او شهوتي للجسد والسلطة. انا لا اذهب إلى الله محمَّلا بشيء. اذهب بفراغي من دنيا حاملا نعمته فقط.

            هذا هو الشرط لكي احمل صليبي. وصليبي قد يكون امرأتي او منافسي في العمل او وضع البلد وفقري وأمراضي والإغراء الذي يلازمني او يعاودني. انا مثقل ومع هذا يجب ان امشي اذ يقول: “يتبعني” فإنه كان مثقلا بهذه الخشبة. إلى اين أتبعه؟ إلى حيث ذهب اي إلى الجلجلة وأبقى تابعا له حتى مماتي لكي يحررني من أثقالي.

            “لأن من اراد ان يخلّص نفسه يهلكها ومن اهلك نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. يهلكها بالتعب، بالتحرر مما كانت تستطيبه من لذات الأرض. “من اجل الإنجيل” لأن البشارة تتعبنا. تجعلنا امام دراسة مضنية، دائمة للإنجيل. وفي الإنجيل فضائل علي ان اكتسبها لأني بلا ذلك لا اخلص. السيد جازم، قطعي، لا يقبل ان يكون فيك ما هو للإنجيل وما هو ضده. لا يقبل ان تتعب نفسك بتحصيل الفضائل قليلا لأنك ان تعبت قليلا تلقى قليلا. ان افنيت كل خطيئة فيك تتلقى كل بر من الله.

            ثم يكمل يسوع فكره: “فإنه ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. ام ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه”. العالم وما فيه من بهرجة ومجد وطعام وشراب وقصور وإثارة، هذا اذا ربحته تخسر نفسك، هذه التي افتداها المسيح وأفرغها من كل ذلك وأفعمها بكل طيب من عنده وبكل فرح. التابع للمسيح حقا فيه فقط المسيح وهو غناه الذي به يستغني عن كل شيء.

            التحدي الكبير الذي أطلقه يسوع هو “ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟”. ان فضل يسوع بالنسبة إلى الحضارة القديمة هو انه كشف لنا قيمة النفس اي قيمة الانسان بذاته التي هي على صورة الله. كانت قيمة الإنسان عند اليونانيين القدماء انه حر لا عبد. جاء يسوع وألغى هذا الفرق. كانت قيمته انه يوناني وليس غريبا عن اليونان. جاء يسوع وألغى هذا الفرق. كانت قيمته انه ذكر لا انثى (وكذا عند اليهود). جاء يسوع وألغى هذا الفرق. جاء السيد يقول: قيمتك هي ما في نفسك لا في ما تملك. فقد تأكل قليلا وتسكن كوخا وتلبس ثيابا رثة وقيمتك هي اياها. ان تحوي الدنيا كلها وتتمتع بكل شيء وليس فيك المحبة فأنت “صنج يرن او نحاس يطن”.

            اعظم انسان ليس الغني ولا السياسي ولا الجميل ولا المثقف. هو انسان القلب. قد يكون آخر الناس في مقاييس الناس. فالناس كثيرا ما يحتقرون الصالحين البسطاء المتواضعين ويضعونهم في آخر مرتبة. والله يراهم حسب مقاييسه هو. لا تهمهم مرتبتهم هنا وهم لا يعرفون ان لهم مرتبة فوق ولكنهم يسلمون انفسهم للمصلوب الذي يضمهم إلى صدره وتكفيهم هذه الضمة.

            الذين عندهم الكثير من هذا العالم يستحييون بالمسيح فعليا لأنهم لم يحملوا صليبه وما تبعوه. هناك مسيحيون بالإسم وعلى تذكرة الهوية. المسيحي الفعلي من جاهد مع المسيح وتحرر من هذا العالم ووطأته وسار في هذا العالم طالبا الملكوت. اما من استغنى هنا عن المسيح ولو تسمى باسمه فلن يعرفه المسيح “متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القديسين”. السير مع المعلم متعب في البداءة ثم يأتيك الفرح.