هذا المَثَل من أهم الأمثلة التي تدعو الى محبة القريب ومحبة العدوّ. يبدأ بحوار بين ناموسيّ والمعلّم، والناموسيّ هو أستاذ في الشريعة الموسوية وبعامّة في كل الكتاب المقدّس. غالبًا ما كان من الفريسيين لإيمانه بالحياة الأبدية بعد الموت، فالحياة بعد الموت لم يكن اليهود يؤمنون بها سوى الفريسيين، وجاء اليهود الى الفكرة من بعد ظهور المسيحية. ردّ على سؤاله المعلّمُ بسؤال: «ماذا كُتب في الناموس؟». أجاب: «أَحببِ الربَ إلهك… وقريبك كنفسك».

هذا الجواب جمع بين تثنية الاشتراع 6: 4 ولاويين 19: 18. في سفر التثنية تبدأ الوصية هكذا: «إسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا ربٌ واحد فتُحبّ الرب إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قوّتك». أمّا ما جاء في سفر اللاويين فهو: «لا تُبغض أخاك في قلبك… بل تحبّ قريبك كنفسك».

ولمّا أجاب يسوع هذا الرجل: «إعمل هذا فتحيا»، قال للسيّد: «ومن قريبي؟» هل القريب هو اليهودي والمُساكن فلسطين معهم؟ عند ذاك أخذ يسوع يقصّ قصةً من تأليفه أهمّ ما فيها أنها تُظهر سامريّا اي غريب الدين يهتمّ بيهودي مجروح على الطريق ويُعالجه، وبين الشعبين قطيعة كاملة ولا سيما أن السامريين يعتمدون كُتُب موسى الخمسة ويرفضون كتب الأنبياء.

تخطّى السامريّ الفراق الديني القائم واعتنى بأمر هذا الغريب، ويقول آباؤنا ان سامري المَثل رمز للمسيح الذي ليس عنده غريب ولكن يُغرّبه الناس وهو المُعتني بالكلّ بمحبته ورأفاته وموته وقيامته.

لاحظوا أن أستاذ الناموس سأل المعلّم: «مَن قريبي؟». هذا سؤال أجاب عنه يسوع بسؤال: «أيّ هؤلاء الثلاثة (أي اللاويّ الذي جاز والكاهن الذي جاز وحادا كليهما عن الجريح، والسامريّ) تحسب صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص». فجاء الجواب: «الذي صنع إليه الرحمة».

السؤال: «من هو قريبي؟» بدا في النص الإنجيلي خطأ. الاهتمام الحقيقي: «مَن أَجعله أنا قريبًا لي». الجواب بالمحبّة التي تُحبّ بها تجعل الآخر قريبك. كل إنسان آخر قريبك أيّا كان دينه ولونه ووطنه إن كان في حاجة الى رعايتك. أنت أخ لكل محتاج، ولكن قم بعمل رعاية واهتمام ليُحسّ أنه أخوك وأنه قريبك. المحبة حركة وعندها تنعدم الفوارق.

البشرية كلّها أُمّة الله، وأنت واحد مع كل إنسان يمكن أن يحسبك عدوّه. أنت تخدمه غير ناظر الى مشاعره نحوك أو نحو دينك أو بلدك. أنت تسير على كل طرق الوجود لتفتّش عمّن تخدم ليؤمن بإنسانيتك وإنسانيته. المحبة تهدم الفوارق بينك وبين كل إنسان آخر. تُنقّي نفسك، وتجعلك انسانا آخر، وتُحسّ بها أنك ابنُ الله. اذكُر أنك إذا قلتَ في الصلاة الربيّة: «أبانا الذي في السموات» تُعلن أن البشر جميعًا، خطئوا أم لم يخطئوا، هم أبناء الله، وافهم أن الملكوت يبدأ الآن في قلوب المحبّين وفي قلوب مَن يرعاهم المحبّون. فتّش عمن هم الأكثر حاجة لأن الرب قريب إليهم كثيرًا.