قبل الدخول في الصوم أرادت الكنيسة أن يحاكِمَ كلٌّ منا نفسَه حتى يصل إلى المحبة التي من أجل كسبِِها وفي روحها نصوم.  ذلك أننا نروّض الكيان البشري كلَّه في الصوم لنقترب من الرب ومن الأخوة. لذلك سُميَّ أحد مرفع اللحم الذي نحن فيه اليوم أحدَ الدينونة أيضا لأن من دان نفسَه لا يدينه الله.

علامَ نحاكم أنفسنا؟ على صورة المحاكمة التي سيحاكمنا بها المسيح. الكلمة التي يستعملها متى هو أنّ السيد يجمع كلَّ الأمم فيميّز بعضهم عن بعض. يُفرِّق الخراف عن الجداء. الخراف (الصالحون) يسمعون منه تعالوا يا مباركي أبي رِثوا المُلْك المُعَدّ لكم منذ إنشاء العالم”. كأن الملكوت لا يكتمل إلا إذا سكنه هؤلاء. إنهم مُساكنو الله.

“إني جعت فأَطعمتموني… وعريانا فكسوتموني” وبقية اللائحة من المحتاجين. ليس عندنا نص أقوى من هذا حيث يوحِّد يسوع نفسه بالجائعين والمرضى والمحبوسين. طبعا, المحبوسون مجرمون. مع ذلك هم في عزلتهم وحزنهم أحباء السيد, السيد أُوقِفَ أيضا عند بيلاطس. يسوع رفيق كل الذين وقعوا في الشقاء في كل ألوان الشقاء.

أنتَ, بعد أن ارتفع يسوع إلى السماء, أين تجده؟ مقرُّه في المعذَّبين. أنت لستَ تشفق في داخلك عليهم. أنت تذهب إليهم أولاً بالموآساة، بشعور المشاركة, باعتبارهم سادة عليك. أما العطاء الفوقي الذي يجرحهم فهو يرميك في جهنم. إذا لم تعتبر نفسك مديونا للفقراء لكونهم أتاحوا لك فرصة الحب, لا تكون فعلتَ خيرا. إعطاء القلب للقلب لا إعطاء المال هو الخير. الحركة التي لا تكون فيك من إلهام  السيد وتحركك إلى السيد تكون فقط مسيرة من أنانيتك إلى أنانيتك.

من هنا أنه إنْ كان هناك إحسان فهذا من باب اللغة لا من باب الحقيقة. المتسوِّل أو الفقير الذي تذهب إليه أو المريض الذي تدفع له ثمن دواء أو التلميذ الذي تمنحه قسطا مدرسيا هو المُحسن إليك. إذاً العملية ثنائية, مشاركة, الجائع أو الغريب فيها هو الأعظم.

هل نحن, بعد التنقل السكاني الذي جرى في بلدنا من جراء الحرب, نحب الوافد إلينا محبتنا للأصيل, أم أننا لا نُشرِكه في قرار أو رأي في رعايانا؟ والذريعة أن “أوقاف آبائنا وأجدادنا” ليس له أن يقول فيها شيئا. ما يجرحني جرحا بالغا في هذا الموقف أن الغريب غريب إلى الأبد وليس أخا حقيقيا, وذلك بناء على اعتبارات مادية محضة. ثم من قال أن ما تركه آباؤك وأجدادك أنت تديره؟ لمّا أَوقف أجدادك عقارا تخلّوا عنه وعن ملكه ولم يورثوك إياه. فإذا ً لستَ وريثه, فكيف تكون لك إدارته؟ يحزنني أن الغريب ليس له وجود على مستوى واحد في القلب مع مَن نسمّيه قريبا. “من هو قريبي؟” كان الجواب أنّ السامري الغريب الذي صنع الرحمة هو أمسى قريبا للجريح المرميّ على الطريق.

“إن لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه”. من انتقص الناس وجوده بالاحتقار, من جعلوه مهمَّشا غير محضون, من أهملوه إلى الجوع والمرض, من استعلوا عليه لكونه خاطئا, هؤلاء هم أحباء يسوع. فإن أهملتّهم أهملتَه, ومصيرك الجحيم التي عقوبتها الأساسية أن أحدا فيها لا يرى وجهك ولا ترى أنت وجه أحد. من عزل الناس عن قلبه هنا يعيش هناك عزلة كاملة لا افتقاد فيها.