لن أكتم هذه المرة حبي للبنان مع ان هذه الصفحة زاوية إلهيات. ذلك اني موجع وراجٍ معًا. ما انا بمداح وان كانت قلة من الوزراء من أصدقائي وعصبة أخرى أقدّرها وبعض منها على الامتياز. هل تكون الحكومة في نطاق رجائنا وعلى الفهم الشائع في أفراد منها ليصير هذا الفهم فاعلا في تقواها فتحمل حكم الله بين يديها فتفرض علينا إجلالها وتنمو أملا في «الباقيات الصالحات» في فكرها وإجرائها.
تعبت من اتهام الحكام لأن هذا يوقعنا في اليأس. والاتهام كما أسمعه أحايين قد يكون تعميما ظالما فكيف نستعمل نصحنا حتى نرشد مَن مال الى الاسترشاد. الا يسمع من له أذنان للسمع؟ الا يلتقط العطاء الإلهي مَن حرّك قلبه لتلقّي العطاء؟ مَن كان في حاجة الى التوبة فقد حان حينه. ونرجو للجميع جلاء النفس وصفاء النيّة وقوّة العزم لتبقى وديعة البلد سالمة في الأشهر القليلة القادمة.
وقد يعزّينا ما سمعناه من الرئيس في خطاب القسم وفي هذا التصريح او ذاك وراقنا شعور الرقي الذي صدر عنه ما يفرحنا في هذا الزمن الرديء. وأظن انه يصلح لي أن أقول للإخوة ان الإنسان فوق النصوص لا لأنه يتخطاها ولكن لأن النصوص لا تحييك الا اذا رجوت الى الله ان يُنعم على الذين يقرأونها بصدق ليعيش البلد. اظن ان الامام الغزالي هو القائل: «من الناس من يعرفون الحق بالرجال ومنهم من يعرفون الرجال بالحق». اسأل الله المبارك ان يعرفنا بما هو عليه الرجال بالحق الذي يحمله هو.
المبتغى الثاني الا ترجئ هذه الحكومة أي أمر الى غد. نحن نطلب منه فكرا وعملا وطهارة. وهذه كلّها ليست من المستحيلات اذا شاء من شاء. قيل: الحكم ملح الأرض بمعنى انه يحفظ البلد ويعطيه نكهته ويوطّد العزائم اذا خارت. ذلك انه اذا وجد جبابرة روحانيون يستغنون عن كل متاع الدنيا الا ان معظم البشر في حاجة الى من يخدمهم فيقويهم. الناس يتشددون بالناس فاذا فسد الحكم ييأس الكثيرون من إمكان الفضيلة. سمعت مرة اسقفًا يقول عن كاهن عنده: «ان الله لا يهمه» ثم أردف اذًا أخطأ العنوان، كان خيرا له ان يكون بقالا اذ عنده من معرفة البقالة الكثير. اتمنى أن يعرف وزراؤنا جوهر الحكم وأن يتقنوه على قدر ما نعاونهم ونعمل ما يطلبه التعايش المدني.
قلت غير مرة في «النهار» ان من البلدان ما يصنع الحكم اذ الحكم فيها يطلع من القاعدة ومن البلدان. ما يتكوّن فيها الحكم من المجتمع. أظنّ ان أهلنا في لبنان من يتطبّع بالحكم وأخلاق حامليه. الحاكم الرشيد فوق العامة. انه من الخاصة او من خاصة الخاصة كما يقول الغزالي ايضا. غير اننا بتنا من الوضع الذي نحن فيه ورجائي ان يلهم الله الوزير العادي ان ينتمي روحيا الى الخاصة او خاصة الخاصة ولا سيما ان الحكومة مجتمعة تقرر. قال بولس الرسول: «تنافسوا في الحُسنى» حتى تخرج من حزن عميق وانتظار طويل ونشدّ أزر بعضنا البعض لإنقاذ البلد.
# #
#
هذا يقودنا الى تأمّل نظام البلد. انا مع السيّد البطريرك نصر الله صفير لما قال هذه البداهة: ان ثمّة أغلبية وثمّة أقليّة.وهو على ما أعرفه عنه وعن تقواه ان هذا هو الأصل وتلك هي الديموقراطية وانت لا تستطيع ان تنشئ ديموقراطية غير تلك التي تحدّث عنها افلاطون والفارابي ومونتسكيو. واما الديموقراطية à la libanaise فأكذوبة الأكاذيب. واذا تكلّم عن التوافقيّة فهذا كان حلا لأزمة مستعصية وهذا ليس بالأصل وليس ما يحرّك عجلة الحكم.
عند تنوّع الأطياف والطوائف والساسة والأفراد الأصل الاختلاف. في الدول الراقية جدا الأصل الاختلاف. في الأديان نفسها على وحدة العقيدة الأصل الاختلاف في التفسير والاجتهاد والنزعات والمواهب. عندنا تقدم الحكومة مشاريع قوانين يقبلها المجلس او لا يقبلها. فاذا كانت الحكومة واحدة المشروع فالمجلس يناقشه واكثريّته تقرر. واذا احببنا ان نقرأ مشاعر دينيّة او طائفيّة من النوع التاريخي فكل الطوائف الصغيرة في لبنان لا قرار لها مجتمعة في الشأن السياسي. واذا أخذنا الطوائف الكبرى المتقاربة العدد وافترضنا وحدة القرار في كل طائفة ماذا يمنع ان تكون هذه الطائفة غالبة او مغلوبة ثم يأتي دورها بالتداول.
لماذا لا نتعلّم ان نختلف ونحب؟ لماذا الفكر يجب ان يشطب الفكر؟ افهم اننا في وضع متأزّم أصررنا ان ننتخب رئيس جمهورية توافقيا صلاحيّاته الدستورية قليلة ولكن أنّى يكون التوافق في مجموعات كثيرة كمجلس الوزراء ومجلس الأمّة؟ كيف يتمّ توافق بين طوائف ثلاث هي السنة والشيعة والمارونية وهي الأهم عددا وقدرة؟ انا لا أفهم التوافقيّة الا ترسيخا للمواجهة الطائفيّة؟ ماذا نعمل بالدستور الذي يتحدّث عن الغاء الطائفية الدستورية وما فائدة مجلس الشيوخ عند ذاك؟ ماذا يبقى له اذا توافق الجميع؟ أليست وظيفته إدخال عنصر التوازن؟
ولماذا هذا الادعاء اللبناني اننا دولة فريدة في العالم والديموقراطيات الوحيدة في العالم هي الديموقراطيات الغربية بعد سقوط الديموقراطيات الاشتراكية وانضمام ما تبقى منها الى النموذج الغربي حتى الالتحاق او شبه الالتحاق بالديموقراطية الأميركية؟
يبقى التدرّب على الذهنية الديموقراطية وقبول التنافس نموذجا حيا للتعامل بين الأغلبية والأقليّة.
# #
#
ماذا عن الشعب؟ هذا شعب يجب ان يأكل وان يتأمّن له الأمن ما يحتّم على الحكومة الحاضرة اذا ما نالت الثقة ان تنصرف اولا الى هذين الأمرين اللذين عند انتفائهما لا يبقى مبرّر لوجود أيّة حكومة. شعبنا أكثره فقير والأعاجيب فقط تحول دون جوعه.وكل الحديث عن هجرته مرتبط بهذه الواقعة وانعدام الأمن او هشاشته وقوّة التعصّب الديني الذي يسمّى تهذيبا تواترا طائفيًا.
الى هذا شعبنا يحتاج الى ثقافة روحية اولا والى مدنية ثانيا لتنبثق عنه ديموقراطية فاعلة في الحكم. ومسؤولية ذلك واقعة بالدرجة الأولى على وزارة التربية ورفع مستوى المدارس وعلى وزارة الثقافة المنوط بها تثقيف كل الأمة اللبنانية.
مواطنونا انتقلوا من دور القبائل الى شكل دولة لا الى عقل دولة. والدولة تعني جباية ضرائب وجيشا نظاميا كبيرا وكهرباء ومياه وطرقات ومدارس وطبابة وزراعة وصناعة. وهذا كله يشكّل نقصًا كبيرًا. من يقيمنا من هذا الجب؟ لا أشك في ان بعض المسوولين أطهار ويحبّون البلد واذا أظهروا ذلك فنحن متمسّكون بهم.
هناك تفاعل أساسي خلاق بين الحاكم والرعية.ولن تستقيم أخلاق الناس ما لم نشرع بهذا. هل تقوم حركات تطويعية لتثقيف الناس على القيم الكبرى وعلى محبة الوطن والسعي الجماعي. ليس من موآنسة ممكنة بين محبة الشخص لذاته ومحبته للمجموعة الوطنية. ما من مجتمع مستقيم بلا دولة قادرة ومستقيمة. وما من مجتمع سليم اذا لم تطوعه دولة قوية تستعمل الوسائل القسريّة لإحقاق الحق والقصاص بحق المجرمين وبلا ايماننا الكلي بأن القانون يربينا. الهروب من القانون هو الهروب الى المنفعة الشخصية اي الى كسر الدولة.
المواطن غير القادر ان يحب الوطن لا بد من ضبطه. أرقى شعوب الأرض لا حياة لها الا بالقصاص وهذا يعني استقلال القضاء الكامل عن السلطة التفيذية التي تستهويها السلطة أحيانا بما فيه الاستيزار وشهوة جمع الناخبين بالباطل احيانا.
نحن في حاجة الى ثورة بيضاء يقوم بها الناس وتقوم بها الدولة. واذا كان علينا ان نختار بين الحق والحاكم فلا مجال الا اختيار الحق. نحن قبل كل شيء ينبغي ان نتعلّم اللاعنف وان نسوّي أمورنا بالسلام ولكن هذا يقتضي احيانا الخشية من العقاب. لابد من حماية المواطنين من المجرمين بما فيهم من يسرق الدولة. ومن سرقها لا تحق له الضريبة. في أقصى الحدود يكون العصيان المدني هو الكي. ولكن وقانا الله من الكي لحل خلافاتنا بالسبل السلميّة التي هي غير ممكنة الا بالتعليم والإرشاد الدائم والندوات الفكرية ومساهمة الأديان بالإرشاد الى حكم صالح والى طاعة القانون الذي يحمينا من خطايا كثيرة. فاذا أخطأت الى القانون الحق فأنت مخطئ الى الله. الدين ليس فقط عقيدة وعبادات. هو قبل كل شيء طاعة لله ومحبة لمن تعايشهم اي لتنتظم بينك وبينهم علاقات سلميّة وسلامية.
قد يقتضي هذا عقودا من السنين ولكن لنبدأ على الرجاء في جدية كاملة والله موفقنا الى مشيئته ومن مشيئته الحفاظ على الدولة من قبل مستلميها والمواطنين. هكذا يتجلّى الله في وطننا الذي لن يكون جميلا الا بأهله.
