من زاوية تاريخية واذا نظرنا الينا جماعة نجيء جميعًا من لبنان، من أخطاء بنيه وحسناتهم، من تطلعاته، من دولته على عجرها وبجرها. بعضنا يجيء كثيرا من خطايا هذه الأمة وبعض يأتي قليلا. بعض منا يرزح تحت العبء وبعض يحاول ان ينتفض. لكن الجميع يرثون البلد قدرا غير ان قلة تعرف ان الأقدار غير محتومة وان الله إله التغيير كما هو إله المحافظة حتى لا يبقى أحد تحت نير.

المهم ان يحسّ الانسان ليس فقط انه يجيء من البلد ولكن ان يعطيه. المهم ان يؤمن ان التاريخ ليس أعمى او وليد عواصف لا رد لها ولكن أعظم ما فيه صنع أفراد عباقرة كانوا أم قديسين واذا كنت غير قادر ان توصّي على العبقريّة كما توصّي على بضاعة فأنت قادر ان تطمح بإشاعة النور من حولك لتحدث في قدر من الناس تغييرا. مسألة الدولة مسألة الإنسان وعمق روحانيّته واستقامة فكره وخُلقه. اجل الدولة بنية وفلسفة وقدرة وأنظمة وقوانين وآليات ووزارات. هذه كلّها يحرّكها الإنسان. صناعة الدولة ليست صناعة آليّة. انما يقوم بها بشر بحيث تختلف الدول باختلاف المستويات العلميّة والخلقيّة في شعوبها.

تختلف طبعا باختلاف مجتمعاتها لأن للمجتمع شخصيّته الأدبيّة وطبائعه وميراثه التاريخي. في هذه المنطقة إناسة (انثروبولوجيا) مسيحيّة وإناسة إسلاميّة. وفي بعض النواحي من الوجود والمسالك تختلف النماذج البشريّة أصلا ولو تقاربت اليوم الى حدّ بعيد. وقد لاحظ علماء الاجتماع الاختلاف القائم في اوربا بين المجتمع البروتستنتي والمجتمع الكاثوليكي ولاحظوا الى حد بعيد الاختلاف في الأخلاق بين هذين المجتمعين اذا كانا مستقلين، غير مختلطين.

ولكلّ مجتمع وسائله للرقي الروحي والأدبيّات التي تتأثّر به. ربما طمست الانحرافات الخلقيّة كل المجتمعات وجعلتها متقاربة بالسوء وربما حدث تحسّن في كلّ المجتمعات لأسباب حضاريّة استجدّت.

في الأخير اذًا الدولة بنت الناس الذين ترعاهم ويحتضنونها. فالسوال الذي طرحه هذا الفريق السياسي او ذاك «اي لبنان نريد» افتراض فقط. قضية التواصل الخارجي او ما وصف بأنه اتجاه حضاري مرتبط بسياسة الدولة الخارجيّة. لم يطرح على ما أذكر فريق من الفريقين هذا السؤال: ايّ لبنان نريد في وجهه الروحي لكي تحلّ كلّ مشاكلنا من نفحات روحيّة نازلة من فوق فالشكاوى الصادرة على هذه الشريحة ام تلك ليست من باب الحقوق او الإدارة او العمل السياسي وكأن أمورنا يُنظر اليها من زوايا تجريديّة مستقلّة عن الباطن الإنساني.
# #
#

اذا كان ممكنا ان نصوّر الشعب اللبناني مؤلّفًا من عدد من المواطنين يمارس الرشوة او يتقبّلها اي قانون انتخابي يأتي باطلا واذا كان قسم منّا يمارس الكذب فما الجدوى من معاملات وإفادات وشهادات امام المحاكم. إقامة الدولة لا تكون فقط على آليات مدروسة وترتيب وضع قانوني وحسب ولكن تقوم على تهذيب هذا الشعب من خارج أطر الدولة.

في الأخير يأتي السؤال هل انت مؤمن بالله؟ ان آمنت به لا تكذب ولا ترتشي ولا تغري طبيبا ليعطيك تقريرًا صحيا غير صحيح ولا تطلب الى كاهن شهادة مزوّرة عن تاريخ معموديّة ابنك ليستفيد منها ماليا في البلد الذي يقطنه في الخارج.

اذا كانت هنا نمطية اخلاقية فاسدة كثيرة الانتشار تأتي الخلافات سياسيهة عندي في الدرجة الثانية من الأهميّة. هنا اسمحوا لي أن أعترف قليلا. لمّا عدت من دراستي من باريس السنة الـ 1952 شعرت أني لم أستطع أن أتأقلم بالبيئة بسبب من كثرة كذبها. وتفاقم اختناقي بخاصة لأن أحدًا في أقامتي الاوربيّة لم يكذب ولم أكذب انا.

عُيّنت معلّمًا في البلمند وكانت آنذاك ثانوية وروضنا التلاميذ على الصدق حتى كنا قادرين ان نتركهم بلا مراقب في الامتحانات الخطيّة. بعض من الفضيلة تربية. لم أجد في لبنان مراكز يتروّض فيها الإنسان على الصدق وعلى الاستقامة في التعامل المالي.

المشكلة ان الشرق يؤمن بالله ويقوم على صلاته ولكنه لا يعتبر بعامة ان هذا يقيّده بسلوك موافق لهذا الإيمان. بعض الناس في الغرب ملحدون ويسلكون سلوكًا موافقًا للإيملان.

مَن يستطيع في لبنان أن يربّينا لنصبح مجتمعا نظيفًا ثم دولة قادرة كما يقولون اليوم. انا بعيد عن الأحزاب كلّها فلا استطيع ان اعرف قدرتها على التثقيف الخلقي. ولكن يفترض انها تفصل بعضًا من أعضائها اذا ارتكبوا معصيّة كبيرة تمس بسمعة الجماعة. الى هذا أذكر أن ما كان يسمّى في طفولتي كتاب التربية المدنيّة يتضمّن مبادئ أخلاقيّة.

أما الأصل في التربية فالأديان. لست زعرف شيئا عن متابعة الأئمة المسلمين للمؤمنين على هذا الصعيد. ولكن خطبة الجمعة تستطيع كثيرا اذا خُصّص جزء منها لمكارم الأخلاق. والإسلام فيه عظماء يعرفون أكثر مني كيف يتدبّرون الأمّة من هذا الجانب.

ليس عندي دراسة كاملة عن تعليم الأخلاق للناشئة المسيحية وللبالغين. في لمحة اولى يزيّن لي أن الكلام اللاهوتي والطقوسي عليه تركيز كبير على حساب التعليم الأخلاقي. لست أنكر وجود عدد كبير من الطاهرين في الأوساط المسيحيّة. ولكني لست ألمس أن عند الوعاظ غضبًا على العنف وسفك الدماء وغضبًا شديدا على التعصّب وعلى غشّ سجلات المحاسبة ولم اسمع دعوة ملحّة على الصدق وطهارة التعامل التجاري وعفة اللسان في الحديث السياسي والمودّة للخصم والغفران للعدو.

اذكر لما كنّا صغارًا ان الكاهن الذي كنّا نعترف عنده كان يمنعنا من المناولة ان لم نسنغفر من أسأنا اليه ولم نغفر لمن أساء إلينا. كان يشترط المصالحة وليس فقط في النيّة للاقتراب من جسد الرب.

هناك شعوب عربيّة أعرفها لا تعرف السباب والشتم والكلام القبيح ولا تعرف التجديف خصوصًا. الله وأنبياؤه والمقدّسات يخلطها بعض من شعبنا بكلام دنس. كيف يكون لهؤلاء القوم انضباط في ايّ مجال كلاميّ او غير كلاميّ؟

ليس في الكنيسة مكان للغنج ولتليين كل الضوابط. هناك مكان للتأديب لأن الكنيسة أمّة مقدّسة كما يقول الكتاب. كانت كنيسة القرن الرابع تقصي من صفوفها المرتد الى الوثنيّة والقاتل والزاني. لست أدعو الى إعادة الإبسال (الحرم) لأصحاب هذه الخطايا. ولكن الكتلة البشريّة التي لا تعرف إطلاقًا فصل واحد عن صفوفها اذا أقرّ بمعصية كبيرة تحدّدها هي تراكم للصالحين والطالحين وبكلمة شعبيّة – اذا سمحتم لي – للأوادم والزعران. هذه ليست كنيسة.

اي لبنان نريد؟ الجواب البسيط نريد لبنان الأوادم على ان تكون الآدميّة النمطيّة الغالبة في شعبنا. كلّ التساؤلات الأخرى ذات الطابع السياسي او الاقتصادي الى حلّ اذا استطعنا خلال عشرين او ثلاثين سنة ان نخلق شعبا جديدا مطيعا لله. اذ ذاك، يصبح اللبنانيون شعبا نازلا من السماء.