شهران يفصلاننا عن موعد الانتخابات. من يستطيع فيها ان يربّي الناخبين على الاختيار الأفضل؟ شاهدت منذ أيام على الشاشة استطلاع بعض من الناس سمّوا من ينتخبون ولكنّي لم أسمع شيئًا عمّا يدفعهم الى اختيارهم. ماذا يعرفون حقًا عمّن يختارون؟ بماذا اقتنعوا؟ التربية السياسيّة صعبة للغاية. تفترض الإحساس بالحاجة الاقتصادية والمجتمعيّة والمجال السياسي ومعرفة قناعة المرشّح بدقائق الأمور لحاجاتنا ومعرفة صدقه وتقنيّاته في المعالجة.
ما نفهمه أن الأحزاب هي المجال الأساسي التي يصقل فيها الفكر السياسي وتتمّ على ضوئه الخيارات الوطنيّة. في الأحزاب هيئات تتدارس باستمرار تطوّرات البلد والأخطار المحيطة به. لكنّنا مقصّرون في هذا الحقل او تتكوّن عندنا أندية سياسيّة وقوّة ضاغطة أكثر طراوة من الأحزاب اذ لا بدّ من نقد الأداء للأحزاب.
هل نستطيع شيئا فاعلا في شهرين للتوعية على رجاء الشروع بها لندخل جميعا في هذه التربية؟ لعلّ هذا يتطلّب تغييرا حضاريًا يجعلنا ننقلب من الطبائع الانفعاليّة الى الحكم الموضوعي في الناس وبرامجهم. والبرنامج ليس عناوين مثل أريد تحسين الماء والكهرباء والطرقات. لا بدّ من منتديات فيها ملفّات حول القضايا الرئيسيّة في البلد اي فيها اقتراح حلول ووصف للمسيرة الى هذه الحلول. مشروع بناء الوطن علم وديموقراطيّة ليست مجرّد سيادة الشعب للتشريع الا لأنّ البلد قادران يرسل الى الندوة البرلمانيّة مواطنين مؤهّلين للتشريع اي ذات مستوى جامعي وقادرين ان يفهموا مثلا مناقشة في المال والاقتصاد وآلات الحرب والبرامج المدرسيّة وتعديلها ومسألة الأدوية والطبابة وتفضيل الحياة على عقوبة الإعدام. واذا كان البحث هو هذا بالدرجة الأولى ننتقل من طابعه الشخصي والطائفي والفئوي الى التأمّل الموضوعي في الأشياء.
ما لم يكن هذا تدير كتلة صغيرة مناقشات المجلس. عند ذاك، يظهر السؤال ما نفع المئة الآخرين. هل جاؤوا لوجاهة المجالسة ودفء الحياة في الحكم. وجزء من هذا الدفء راتب النائب ثم راتب أرملته بحيث تبدو النيابة سكنا ورؤية في الحياة والموت.
# #
#
هذا كان على صعيد الناخب. اما على صعيد المرشّح فمنذ عشرات السنين كنت أتساءل لماذا هذا يترشّح وطالب الولاية لا يولّى اي لا يسوغ لأحد منّا أن يظن نفسه شيئًا لئلا يصير فورًا لا شيء. هناك من يرشح لأي منصب في الحياة. فاذا طلبت وظيفة في ايّ محلّ هناك من يقول انك صالح او غير صالح. هناك من يفحصك ويقدّمك. فاذا قلت لي الشعب يقدّمك أعيد عليك السؤال ما كفاءة الشعب. نحن نبني على ان الشعب يعرف كفاءته في عقل راشد. الثورة الفرنسيّة ظنّت أنّ سيادة الشعب في أنّه يطلب الحريّة والمساواة والأخوّة أي أنّ هناك معايير للفهم. هناك مَن يقول لك انك صالح لتمثيلنا وعلى هذا الادّعاء تقدّم امتحانًا وهو الانتخاب. ولكن أن تعظّم نفسك وتبدي نفسك مؤهّلا فهذا عندي قمّة الكبرياء. الانتخاب عندنا موضوعيًا مسابقة بين مستكبرين. هذا لا يعني أنّ من قدّم نفسه عندنا بعيد عن التقوى. أقول النظام. نظام ادّّعاء بلا أحزاب او منتديات او هيئات تقدّم المرشّّح.
عندما يتقدّم اثنان يختلفان في موضوع الإضاءة او انهاء الحرب مع العدو او التفاضل بين اللغات الأجنبيّة في برامجنا أو تأسيس هذه الكلية الجامعيّة أو تلك أفهم أنّهما دخلا في منافسة تتطلّب جهادا بينهما. واما الا يختلفا أو لم يخطر اي خلاف كهذا في بالهما فلا أفهم لماذا يكافح أحدهما الآخر. عند ذاك، تصبح القضيّة أنك تؤثر نفسك على الآخر بلا سبب تعرفه قد يكون فقط من باب تفاهة الوجهاء.
# #
#
من تنتخب؟ إذا كنت حزبيّا او مناصرًا لحزب سوف يطرح عليك الحزب لائحة في الدائرة التي أنت منها. وإن لم تكن فأنت حرّ أن تختار مَن تشاء وليس لك ولاء ولا يُملَى عليك أمر. ولكن ما الدوافع التي تندفع بها؟ بالتأكيد لن يكون هذا أمرًا عاطفيًا انفعاليًا كقولك هذا المرشّح عزّاني بوفاة فرد من عائلتي يجب ان أردّ له المعروف اذ العلاقة ليست مودّة شخصيّة بينك وبينه. واذا عرض عليك مال وقبلته فعيب عليك ان ترتشي وتدلّك الرشوة التي أتتك دليلاً على أنّ الذي رشاك إنسان سيء لا يستحقّ أن توليه مسؤوليّة وطنيّة لأن من احتقرك بهذه الطريقة يكون قد احتقر نفسه ولا يستحقّ أن يقيم في الدولة.
الشرط الذي لا حياد عنه ان يكون الذي يلتمس صوتك طاهرًا ما أمكن الطهارة في السياسة اذ هو مدعوّ الى التشريع وإلى مراقبة أهل الحكم وأن يكون ذا ضمير يؤهّله لكلّ ذلك. أمّا مَن تعرف أنّه يتعاطى ما شذّ عن مكارم الأخلاق فتنبذه نبذًا شديدًا. وهذا يفترض الا تضع اسمًا لا تعرف عن سلوك صاحبه. أنت تبدأ بدرس الحال الخلقيّة عند كل مرشّح بحيث يترتّب عليك أن تستقصي سيرته وأن تقتنع بنقاوتها.
الشرط الثاني أن يكون هذا الإنسان على مقدار من العلم لا يحدده القانون ولكن الأميّ او شبه الأميّ غالبًا ما كان جاهل التشريع وضعيف الفهم السياسي ويكون تاليًا مؤذيًا لنفسه ولك وللجماعة. ولكن اذا المتعلّم كثيرا ضعيف الأخلاق فلا ينبغي ان يرد عندك لأن الأخلاق أعظم من العلم، أما اذا جمع الشرطين فهذا «نور على نور».
لا تتأثّر بالعامل الطائفي وان كان لا بدّ من اختيار طائفي حسب قانون هذا البلد. يجب ان تطبّق القواعد الأخلاقيّة على كلّ مرشح وألّا تلحق أحدًا بآخر وأن يأتي مختاروك على رفعة من حسن السيرة. أنت تهتم للمسلم كما تهتمّ للمسيحي. ما يرضي الله ان يتألف المجلس من محبّي الله اي من محبّي وصاياه حتى يأتي الحكم صافيًا وبنّاء للأمّة كلها. القاعدة الموروثة من الشرع الروماني القديم ألا أخلاق بلا عدل ولا عدل بلا أخلاق.
واذا اجتمع هذان الشرطان فهذا دليل على ان المرشّح (او المرشحة) ممن يحبون الوطن. لا يكفي ان يكون قد صرّح هذا الإنسان على أنه ينتمي الى لبنان. ينبغي أن يكون قد أثبت ذلك في سيرته. واذا شككتَ في وطنيّة واحد وقرأت تصريحًا واحدًا يثبت فيك هذا الشك او علمت بمسلك عنده يثبت عندك الشك فهذا تشطبه من اللائحة او اللوائح المفروضة عليك. لأنك، ان لم تفعل تكون أنت قد خنت الوطن.
لا تيأس من أنّ الانتخابات القادمة قد تنهض ببلدنا. اعمل وكأنك ترجو هذا الخلاص أي تطهر ليأتي المجلس القادم حسب قلب الله لأن هذا ما يريده الرب للبنان.
