كلمة إذا صورناها عن اللفظ اليوناني تكتب “كليرس”بتسكين الكاف واللام وأضيفت الهمزة منعا لالتقاء الساكنين. وهي تعني “نصيب” أي ذلك الذي ناله اللاويون أو الأحبار عند تقسيم أرض كنعان فلم ينالوا نصيبا فيها إذ كانوا يتقاضون العشور فكان الله نصيبهم. أما في المسيحية فالذين هم أئمة العبادة فنعثر على تسميتهم “اكليروس”  فقط في القانون الكنسي وليس في العهد الجديد حيث يسمون أساقفة وشيوخًا والشيوخ ترادف قسساً أو قسيسين وهي سريانية أو كهنة في مصطلح الكنائس القديمة التي تعرب لسانها مع أن الكنيسة اليونانية تحافظ على كلمة الشيخ وكذلك ما تفرع في اللغات الأوروبية عن الأصل اليوناني priest، prêtre التي تعني أصلا الشيخ.

المعتقد المسيحي أن ثمة من دعاهم الله بنعمته وانتدبهم ليخدموا الرعية بالكلمة وهذه تتضمن طبعا الوعظ والتعليم وإقامة الأسرار الإلهية كالعماد والقرابين (القداس الإلهي) وما اليهما وهي امتدادات او تعابير عن الكلمة الإلهية ولا يمنحهم هذا امتيازًا. إنها شرف الخدمة وتواضعها وتكليفها وتعبها والمحاسبة الإلهية عليها والمراقبة الدائمة في أدائها والتطهر في سبيل إقامتها والدراسة الدائمة للقيام بواجبها. انه افتقاد الرعية وحمل أعبائها واتخاذها بالحنان والصبر اللذين لا يُحدان.

الاكليروس هي العبء الأثقل الملقى على عاتق من تحسبه أهلاً لحمله بعد دراسة وامتحان واستمرار فحص الفاحصين. وما قيل عندنا انك تطيعهم لأنهم في منصب يعلوك لكن الكلمة هي هذه: “أطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم” (عبرانيين 13: 17) الكاتب لا يفترض انك تطيع أباك الروحي إلا لكونه مرشدًا ولكونه حريصا على خلاص نفسك إذ لا يخطر على بال الكاتب انه يقدر أن يكون غير ذلك. فانه قد اختير بسبب من قدرته على ذلك. فإذا اختارته النعمة فإنما يتكلم بقوتها وبما توحيه من مضمون. أنت لا تطيع بشريًا إلا بقدر ما انسكبت عليه الكلمة وهبّ فيه الروح ويقودك هذا حيث قاده.

هذه ليست فئوية بحيث يكون ناس فوق وناس تحت لأننا خاضعون بعضنا لبعض كما يقول بولس. ما من طاعة عندنا إلا للقداسة ولكوننا اعتبرنا أن فلانا تاب نجعله شماسًا وآخر استنار نجعله كاهنًا أو قسًا والثالث صار مألوهًا أي شع عليه المجد الإلهي نقيمه أسقفًا. هذا ما عبر عنه ديونيسيوس الاريوباجي المنحول في مطلع القرن السادس. فأنت لا تطيع الكاهن لمجرد كونه كاهنًا. أنت لست خاضعًا لجالس على كرسي. هو في الأصل لم يجلس على كرسي ألا لكون الله أجلسه.

في حكمتنا البشرية نحن لا نستطيع أن نفعل فوق طاقتنا. ندرب الرجل علميا وروحيا في معهد.  بعد هذا في الكنائس الشرقية نزوجه وننتظر أن نرى حكمته في تدبير عائلته ويشهد له القوم وأخيرًا نستدعي نعمة الله عليه لتقويه من ضعف وترشده من غي. قد يفسد في ما بعد. عندنا هنا مجموعة قوانين لتقويمه أو لومه أو توبيخه أو فصله. هذه هي قاعدة الرقابة التي تبدأ وتنتهي بعطف الأسقف وحنوه على الرجل. وأما أن يكون الأسقف غافلا عن حياته الداخلية عن رعايته وغائبا عن ضبطه الأشياء فهذا ممكن وكثير. وان يصبح الكاهن مهملا المطالعة ومتضجرًا من رعيته ومشتهيًا للمال فهذا أيضا كثير لان الشيطان موجود ولأنه يجلس أحيانًا على كرسي الأسقف ويفسد الكنيسة من داخلها. ولكنك سرعان ما ترى أن الروح القدس يستغني عن فاعلية الالكيروس إلا ما كان من إمامة العبادة فيرعى الكنيسة من فوق والأسقف يغط في النوم. من ذلك أنت تستمع إلى الكلمة ويعبر الله بها ولو كان الكاهن ساقطًا وغير متأثر بها إذا تكلم.

السؤال الشرعي المطروح هو كيف تطيع كاهنًا ساقطًا؟ انه لا يستطيع أن يأمرك بما يخالف الوصايا لأنك إذ ذاك تتسلح بالكلمة الإلهية إزاءه وترفض كلاما فيه كفر بالله. الخطيئة موجودة ولا تستطيع أن تبطل الكهنوت. فالذبيحة الإلهية قائمة ولو كان مقيمها في حالة المعصية وقد يكون الكاهن غارقًا في الذنوب ويناولك جسد الرب وأنت متناوله حقًا ولو كان الرجل أداة سيئة. وقد يعظك بما يناقض الكلمة فترمي السيئ في وعظه وتتمسك بالحسن ولو كان فم الرجل دنسا أو يداه نجستين.

التاريخ الكنسي مليء بالخطايا ونحن الذين ندرس هذا التاريخ نعرف الخطايا لكن الكنيسة هي جسد المسيح أي كيانه على الأرض وما ستؤول إليه في اليوم الأخير وفي صلواتها ورتبها ما يقدسك ويعزي وأمام عينيك “سحابة من الشهود” أولئك الذين انتقلوا إلى رؤية الله ويحيطونك بالحب وحولك الشهود الأحياء من أهل الرعية ويحيطونك أيضا بالحب.

المهم أن تحس أن لا شيء في العالم بهي مثل عباداتنا ولا شيء مثلها يحل السماء فيك وهي قادرة إن استلهمتها وتمثلتها وشبعت منها -ولن تشبع- على أن تنقلك إلى الملكوت ويبقى فيك الملكوت يوما أو يومين أو ثلاثة وقد تقع خلال أيام حتى يحل يوم الأحد اللاحق وتعود إلى السجود والاستمتاع بالإنجيل وذوق جسد الرب ودمه الكريمين حتى يصيرا من لحمك ومن دمك ويتحول عقلك إلى فكر المسيح.

يذهلني بعد هذا أن يترك قوم الكنيسة لتصورهم خطايا الكاهن في القرية أو في الحي كأنه هو الكنيسة مع انه يصبح لا شيء إذا سقط ولك أنت أن تلملمه بالنصح والوداعة عله يعود وتقوي محبتك له حتى يخجل ويرتدع وتتعاون والمحبين لتعزيته من الافتراء الذي يفترى به عليه أو من الإهمال الذي يصيبه أو من الفقر إذا بخلت عليه الرعية وتبقى معتبرا انه على سقطاته أيقونة المسيح ولو اسودت قليلا أو كثيرا ذلك أن ربه قادر على أن ينقيه. وتصمد وتصمدون لان السيد المبارك قاد كنيسته خلال عشرين قرنا ببشر أقامهم رعاة أو قادها بلا رعاية أرضية وعطف من السماء على كل واحد فيها.

“الكنيسة جماعة الخطأة التي تتوب” (القديس افرام السرياني). أن تتوب عميقا وكاملاً هو أن تصبح إلها ليس فيك شيء غير الله. قد يكون الله في جبة راعيك وقد لا يكون لكن المسيح حي ويحييك إذا أنت جثوث وبكيت وتبت إليه والى أبيه. إذ ذاك تصبح أنت نصيب الله. وبهذا يجعل الله نفسك نصيبك أي تصير أنت وربك روحا واحدة.

لذلك يخطئ من قال، بصورة قطعية حصرية، إن الاكليروس ينشئ الكنيسة. هذا صحيح بقدر ما يطيع هذا الاكليروس الكلمة. الحق أن الكنيسة هي التي تنشئ الكاهن والأسقف لانهما لا يجيئان إلا بوضع الأيدي (الرسامة) أي أن النعمة تجعل الإنسان خادما لها. والنعمة التي تقيم الكاهن هي إياها التي تقيمك في المعمودية. والكلمة الكاملة في صحتها أن القديسين ينشئون الكنيسة وأننا ننمو إذا تشبهنا بهم. ولذلك لا تستقيم أمورنا بأننا نقيم كهنة مثقفين رساليين ولو كان هذا غاية في الأهمية. لكن أمورنا تستقيم إن أحببنا بعضنا بعضا وثابرنا على الدعوة وكلمنا الناس جميعا على المسيح “في وقت مناسب وغير مناسب” وهكذا تصح الكلمة: “آمنت ولذلك تكلمت”. في هذا نحن مقصرون وتأكلنا المآتم والأكاليل والاجتماعيات التي لا بد من القيام بها. لكن البهاء هو أن يصبح كل منا مسيحا آخر وان يتجلى كل يوم حيث أقام ليرى الناس نور المسيح ساطعا فينا ويحسوا أن كلمتنا هي كلمته.

أنت تكون قد أصبحت كاهنا إن لاحظت أن “الأولاد جياع وليس من يكسر لهم الخبز”.  إن أنت تجندت لكسر الخبز الإلهي للجياع تصبح كاهنًا عظيمًا وتغفر لك خطاياك. نحن لسنا في حاجة إلى شيء آخر.