هناك مجموعة من القديسين نسمّيهم آباء. منهم على سبيل المثل الأقمار الثلاثة: «يوحنا الذهبي الفم، باسيليوس الكبير، غريغوريوس اللاهوتي». قبلهم إيريناوس. بعدهم يوحنا الدمشقي. اللائحة غير محددة الأسماء والأزمنة. يمكن أن يظهر آباء جدد. سميّناهم آباء لمّا أحسسنا أننا نجيء منهم روحيا كما يجيء الولد من والديه. هناك معلّمون ساهموا في كشف الحقيقة المسيحية. أما الكبار الذين ثبّتوا الإيمان وشعرنا بأننا مدينون لهم كثيرا في بقائنا مسيحيين فهم آباؤنا.
ما كان همّهم؟ في القرنين الرابع والخامس، وهما الأهمّان في توضيح العقيدة، كان هاجس هؤلاء أن ينقلوا الإنجيل إلى عقول الناس حسبما كانت أذهانهم، والأذهان كانت آنذاك متأثرة بالفلسفة اليونانية. واللغة كانت اليونانية. كيف ننقذ الإنجيل من أعدائه؟ كيف نظهره معقولا، قويا، منقذا من الضلال؟ كانوا يحاربوننا بالفلسفة. كان لا بد أن نستعمل الفلسفة نحن أيضا أداة حرب لا لنثبتها هي ولكن لنثبت الإنجيل.
مثال على ذلك الكلام على الله الآب وعلاقته بالابن والروح القدس كلام كثير في العهد الجديد. كان يمكن أن يبقى كما ورد في الكتاب مبسوطا في آيات عديدة. كان يكفي مثلا أن نذكر مطلع يوحنا الإنجيلي القائل: «وإلهًا كان الكلمة» لنبين أن المسيح أزلي. ولكن جاء من يقول: بل «كان زمان لم يكن الكلمة فيه» وهو آريوس، حتى ننهض ونقول بل الابن أو الكلمة كان في كل الأزمنة أي إنه إله. قلنا إذًا إنه «مولود غير مخلوق» بمعنى أن الآب كان دائما معه ابنه.
ظهرت بدعة أن الابن أول المخلوقات. اجتمعت الكنيسة المؤمنة بأزلية المسيح (ولم تخترع هذه الأزلية)، اجتمعت وأوضحت أن الابن هو من جوهر الآب. اضطررنا في المجمع النيقاوي وهو المسكوني الأول (سنة 325) لا أن نخترع عقيدة جديدة ولكن أن نثبت الإيمان القديم. من أجل الكلام مع ناس متحضرين استعرنا كلمة «جوهر» من اللغة الفلسفية لنقول إن الابن ليس له طبيعة تختلف عن طبيعة الآب وأن ليس فيه تبعية المخلوق.
على هذه الطريقة، لمّا أنكر مقدونيوس كون الروح القدس إلهًا، اضطررنا أن نجتمع في القسطنطينية في المجمع المسكوني الثاني ونقول بل هو من جوهر الآب أيضا لأن الكتاب قالها في طريقة أخرى لمّا قال: «روح الحق الذي من الآب ينبثق» بمعنى إنه ينبثق منه دائما وقبل تكوين العالم.
وكما ظهر من يقول أن الابن ليس إلهًا فقد قيل إنه ليس بإنسان ولكنه شبح إنسان. قلنا في دستور الإيمان إنه إله وإنسان معا لأن هذا في الإنجيل. ولكن دفاعا أيضا عن أنفسنا كان لا بد أن نؤكد أنه إله حقيقي وإنسان حقيقي في شخصية له واحدة. وكان لا بد أن نؤكد أيضا أن هذين العنصرين فيه ملتحمان ولا يذوب الواحد في الآخر أو يختلط فيه أو يطغى عليه، فقلنا في المجمع الخلقيدوني وهو الرابع المسكوني (451) أن المسيح ذو طبيعتين. استعرنا اللفظة للإيضاح.
هذا هو دستور الإيمان. هناك آباء كتبوا فهيأوا له. وهناك آباء جاؤوا منه. ولهذا لا بد لفهم الدستور من الرجوع إلى هؤلاء وأولئك.
المؤسف طبعا أن كتب الآباء نُقل بعضها إلى العربية ولم يُنقل كثيرها. غير أن اللاهوتيين عندنا يطالعونها باللغات الأصلية اليونانية واللاتينية والسريانية وباللغات الأوربية المترجمة عن الأصل.
غير أن المؤمنين العاديين لم يُتركوا في الجهل لكون تعاليم الآباء عبّرنا عنها بالخِدَم الإلهية. فقد لا يعرف الأكثرون عظة غريغوريوس اللاهوتي عن الميلاد، ولكن الجزء الأساسي فيها موجود في طروبارية الميلاد. آباؤنا إذًا إنجيليون بمعنى مطابقتهم للإنجيل. العقيدة هي نفسها الإيمان مشروحا أي مواكبا للغة العصور التي كافحنا فيها خدمة ليسوع المسيح.
