في انجيل اليوم اجتاز يسوع نهر الأردن الى اليهودية. كان معه مرافقون: التلاميذ بلا ريب وبعض أتباعه. الى غرب النهر قامت اريحا القديمة وقليلا بعدها اريحا الجديدة الرومانية. بين هذين القسمين من المدينة كان اعمى يستعطي. هذا المرض يعرض الفقراء المصابين به الى الاستعطاء. مرقس يذكر الحادثة ويسمي الأعمى ابن طيماوس.

          سأل الرجل ما هذا الجمع فلما أخبر بأن يسوع الناصري عابر صرخ “يا ابن داود ارحمني”. ما من شك ان الأعمى كان قد سمع ان الرب شفى عميانا او مرضى بعامة. نداؤه ليسوع يدل على انه كان يعتبره المسيح الآتي. صرخ لأنه لم يكن يعلم مكان يسوع في كل هذا الجمهور. الذين كانوا في الخط الأمامي زجروا الرجل. لشدة تأثره وتوقعه للأعجوبة بقي يصرخ.

          عندئذ يقف يسوع ويأمر بأن يؤتى بالرجل اليه. سأله يسوع: ماذا تريد ان اصنع لك؟ طبعا كان المعلم يعرف ان هذا كان طلب الشحاذ. ولكن المعلم اراده ان يسأل ليؤمن الرجل فيما بعد بالمصدر الذي جاء منه  الشفاء. اذ ذاك قال هذا “ان أبصر” وفي النص اليوناني الأصلي “ان أرى من جديد”. كان يعرف جمال الدنيا وصعوبة العيش عند المكفوف وذل الاستعطاء.

          جواب يسوع: “أبصر” كما ترجمناها تعني “رَ من جديد توا”. اما قول المخلص: “ايمانك خلصك” فلها ان تعني: كن معافىً الآن كليا وباستمرار او تعني الخلاص الروحي او كليهما. يسوع يتجاوز الموضوع الصحي البحت: “ايمانك قد خلصك”.

          الموضوع ليس انتظار الأعجوبة. الانتظار انتظار الشفاء وتخيله والشوق اليه هو مجرد اختلاج نفسي ويستحيل ان يعيد البصر. لا يشفي عطلا عضويا. ما يعنينا قول الكتاب: “آمن بالرب يسوع فتخلص انت واهل بيتك”. النفس تتحرك نحو المسيح ولا تخلص بحركتها. سبب الشفاء هو المسيح لا النفس البشرية. اجل النفس تقبل نعمة الله ولكن “نعمة الله هي المخلصة لجميع الناس”. تعليم كنيستنا عن الخلاص بمعناه الروحي هو ان هناك موآزرة بيننا وبين الله. نحن لسنا علة خلاصنا. نحن نتقبل خلاصا أتمه الله مرة واحدة بيسوع المسيح. انت تنال ما هو موجود او تُقبل على ما هو موجود.

          ثم اذا التمست شفاعة قديس فأنت لا تشفى بقوة منه. انت تشفى فقط بقوة المسيح. القديس يتشفع من اجلك فيلبي الرب نداءه. ليس لأحد في السماء او في الأرض قوة مستقلة عن قوة السيد. لا مانع من الكلام الدارج: هذا شفاه مار جرجس او مار انطونيوس او سواهما على ان نعرف في قلبنا وعقلنا ان القديسين هم شركاؤنا في الصلاة وان من نطلب منه هو يسوع نفسه.

          ثم في حال اوجاعنا الجسدية قد يلبينا الرب وقد لا يلبي حسب مقاصد حكمته. هو في كل حال يلبينا روحيا بمعنى انه يمنحنا التوبة ويطهرنا من خطايانا. وهذا اهم بكثير من عافية الجسد. قد لا نتربى الا بالآلام. قد لا نتوب الا بالوجع. الرب يعرف ما يفيدنا.

          السؤال الشرعي الوحيد عندما يتحدثون، هنا وثمة، عن معجزات هو ان نعرف اذا كان حدث الشفاء قاد الى الله وطاعته. فاذا كان الأهم في امر اعمى اريحا انه نال شفاء نفسه يبقى ان اعظم ما نطلبه ان ترى نفسنا بهاء المسيح.